أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

107

العقد الفريد

وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من راع يبيت غاشّا لرعيته إلا حرّم اللّه عليه رائحة الجنة . وحقيق على الوالي أن يكون لرعيته ناظرا ، ولما استطاع من عوراتهم ساترا ، وبالحق فيهم قائما ، فلا يتخوّف محسنهم رهقا ، ولا مسيئهم عدوانا . فقد كانت بيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جريدة يستاك « 1 » بها ويردع عنه المشركين بها ، فأتاه جبريل فقال : يا محمد ، ما هذه الجريدة التي معك ! اتركها لا تملأ قلوبهم رعبا ! فما ظنك بمن سفك دماءهم ، وقطع أستارهم ، ونهب أموالهم ! » يا أمير المؤمنين ، إنّ المغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر دعا إلى القصاص من نفسه بخدش خدشه أعرابيا لم يتعمده ؛ فقال جبريل : يا محمد ، إنّ اللّه لم يبعثك جبارا تكسر قرون أمتك . واعلم يا أمير المؤمنين أن كل ما في يدك لا يعدل شربة من شراب الجنة ، ولا ثمرة من ثمارها ؛ ولو أن ثوبا من ثياب أهل الناس علق بين السماء والأرض لأهلك الناس رائحته ، فكيف بمن يتقمّصه ! ولو أن ذنوبا « 2 » من صديد أهل النار صبّ على ماء الدنيا لأحمّه « 3 » ، فكيف بمن يتجرّعه ! ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لأذابته ؛ فكيف بمن يسلك فيها ؛ ويردّ فضلها على عاتقه . كلام أبي حازم لسليمان بن عبد الملك حج سليمان بن عبد الملك ؛ فلما قدم المدينة للزيارة بعث إلى أبي حازم الأعرج وعنده ابن شهاب . فلما دخل قال : تكلم يا أبا حازم . قال : فيم أتكلم يا أمير المؤمنين ؟ قال : في المخرج من هذا الأمر . قال : يسير إن أنت فعلته . قال : وما ذاك ؟ قال : لا تأخذ الأشياء إلا من حلّها ، ولا تضعها إلا في أهلها . قال : ومن يقوى على ذلك ؟

--> ( 1 ) يستاك : ينظف أسنانه بالسواك . ( 2 ) ذنوبا : دلوا . ( 3 ) أحمه : سخّنه .