أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

106

العقد الفريد

تحملهم على طريقتك ، ولكن افتح بابك ، وسهّل حجابك ، وانصر المظلوم ، واقمع الظالم ، وخذ الفىء والصدقات على حلها ، واقسمها بالحق والعدل على أهلها ، وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة . وجاء المؤذّنون فآذنوه بالصلاة ، فصلى وعاد إلى مجلسه ، وطلب الرجل فلم يوجد . مقام الأوزاعي بين يدي المنصور قال الأوزاعي : دخلت عليه فقال لي : ما الذي بطأ بك عني ؟ قلت : وما تريد مني يا أمير المؤمنين ؟ قال : أريد الاقتباس منك . فقلت : يا أمير المؤمنين ، انظر ما تقول ، فإن مكحولا حدّثني عن عطية بن بسر ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « من بلغته عن اللّه نصيحة في دينه فهي رحمة من اللّه سيقت إليه ، فإن قبلها من اللّه بشكر وإلا فهي حجة من اللّه عليه ليزداد إثما ويزداد اللّه عليه غضبا وإن بلغه شيء من الحق فرضي فله الرضا ، وإن سخط فله السخط ومن كرهه فقد كره اللّه عز وجل لأن اللّه هو الحق المبين » . ثم قلت : يا أمير المؤمنين ، إنك تحمّلت أمانة هذه الأمة وقد عرضت على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها . وقد جاء عن جدك عبد اللّه بن عباس في تفسير قول اللّه عز وجل : لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها « 1 » قال : الصغيرة : التبسم ، والكبيرة : الضحك . فما ظنك بالقول والعمل ؟ فأعيذك باللّه يا أمير المؤمنين أن ترى أن قرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تنفعك مع المخالفة لأمره ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « يا صفيّة عمّة محمد ، ويا فاطمة بنت محمد ، استوهبا أنفسكما من اللّه ، فإني لا أغني عنكما من اللّه شيئا » . وكذلك جدّك العباس ، سأل إمارة من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : « أي عمّ نفس تحبيها خير لك من إمارة لا تحصيها ؛ نظرا لعمه وشفقة عليه من أن يلي فيحيد عن سنّته جناح بعوضة ، فلا يستطيع له نفعا ولا عنه دفعا » .

--> ( 1 ) سورة الكهف الآية 49 .