أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

105

العقد الفريد

تنكر ! فما بقاء الإسلام على هذا ؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه ، فبكى بكاء شديدا ، فحثه جلساؤه على الصبر فقال : أما إني لست أبكي للبلية النازلة ، ولكني أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته ، ثم قال : أما إذ قد ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب ، نادوا في الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلّا متظلّم . ثم كان يركب الفيل طرفي النهار وينظر هل يرى مظلوما ، فهذا يا أمير المؤمنين مشرك باللّه ، بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ ، وأنت مؤمن باللّه من أهل بيت نبيّه لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك ! فإن كنت إنما تجمع المال لولدك ، فقد أراك اللّه عبرا في الطفل يسقط من بطن أمه ما له على الأرض مال ، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه ، فما يزال اللّه يلطف بذلك الطفل ، حتى تعظم رغبة الناس إليه . ولست الذي تعطي ، بل اللّه تعالى يعطي من يشاء ما يشاء . فإن قلت إنما تجمع المال لتشديد السلطان ، فقد أراك اللّه عبرا في بني أمية ، ما أغنى عنهم جمعهم من الذهب وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع حين أراد اللّه بهم ما أراد . وإن قلت إنما تجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها . فو اللّه ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة ما تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه يا أمير المؤمنين . هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل . فقال المنصور : لا . فقال : فكيف تصنع بالملك الذي خوّلك ملك الدنيا ، وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل ولكن بالخلود في العذاب الأليم . قد رأى ما عقد « 1 » عليه قلبك ، وعملته جوارحك « 2 » ، ونظر إليه بصرك ، واجترحته يداك ، ومشت إليه رجلاك . هل يغني عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك ودعاك إلى الحساب ؟ قال : فبكى المنصور ، ثم قال : ليتني لم أخلق ! ويحك كيف أحتال لنفسي ؟ فقال يا أمير المؤمنين ، إن للناس أعلاما يفزعون « 3 » إليهم في دينهم ، ويرضون بهم في دنياهم ، فاجعلهم بطانتك يرشدوك ، وشاورهم في أمرك يسدّدوك . قال : قد بعثت إليهم فهربوا مني . قال : خافوك أن

--> ( 1 ) عقد : عزم وأضمر . ( 2 ) الجوارح : اليدين وأعضاء الجسم . ( 3 ) يفزعون : يلجئون .