أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
104
العقد الفريد
قال : فأنت آمن على نفسك فقل . فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين ما ظهر في الأرض من الفساد والبغي لأنت . فقال : فكيف ذلك ويحك ! يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي ، والحلو والحامض عندي ؟ قال : وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك ؟ إن اللّه استرعاك أمر عباده وأموالهم ، فأغفلت أمورهم ، وأتممت بجمع أموالهم ، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجصّ والآجرّ ، وأبوابا من الحديد ، وحرّاسا معهم السلاح ، ثم سجنت نفسك عنهم فيها ، وبعثت عمّالك في جباية الأموال وجمعها وقوّيتهم بالرجال والسلاح والكراع « 1 » ، وأمرت ألا يدخل عليك أحد من الرجال إلّا فلان وفلان ، نفرا سمّيتهم ، ولم تأمر بإيصال المظلوم ، ولا الملهوف ، ولا الجائع العاري ، ولا الضعيف الفقير إليك ، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق ، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن لا يحجبوا دونك ، تجبي الأموال وتجمعها . قالوا : هذا قد خان اللّه فما لنا لا نخونه . فائتمروا ألّا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا ، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا خوّنوه عندك ونفوه ، حتى تسقط منزلته ، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم ، أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم ، فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ، ليقووا بها على ظلم رعيتك ، ثم فعل ذلك ذوو المقدرة والثروة من رعيتك ، لينالوا ظلم من دونهم ، فامتلأت بلاد اللّه بالطمع ظلما وبغيا وفسادا ، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل ، فإن جاء متظلّم حيل بينك وبينه ، فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك ، وأوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم ، فإن جاء ذلك المتظلم فبلغ بطانتك « 2 » خبره ، سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك ، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به « 3 » ، ويشكو ويستغيث ، وهو يدفعه ، فإذا أجهد وأحرج ثم ظهرت صرخ بين يديك ، فيضرب ضربا مبرحا يكون نكالا « 4 » لغيره ، وأنت تنظر فما
--> ( 1 ) الكراع : الخيل . ( 2 ) بطانتك : المقرّبين إليك . ( 3 ) يلوذ : يحتمي . ( 4 ) نكالا : عقابا .