أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

103

العقد الفريد

مقامات العباد عند الخلفاء مقام صالح بن عبد الجليل قام صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي فقال له : إنه لما سهل علينا ما توعّر على غيرنا من الوصول إليك ، قمنا مقام الأداء عنهم وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي [ عند ] انقطاع عذر الكتمان ، ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع ، ووعدت اللّه وحملة كتابه إيثار الحقّ على ما سواه ، فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص « 1 » . وقد جاء في الأثر : من حجب اللّه عنه العلم عذّبه على الجهل ؛ وأشد منه عذابا من أقبل إليه العلم فأدبر عنه . فاقبل يا أمير المؤمنين ما أهدى إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل ، لا قبول سمعة ورياء ؛ فإنما هو تنبيه من غفلة ، وتذكير من سهو وقد وطّن اللّه عز وجل نبيه على نزولهما ، فقال تعالى : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « 2 » . مقام رجل من العبّاد عند المنصور بينما المنصور في الطواف ليلا إذ سمع قائلا يقول اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع ، فخرج المنصور ، فجلس ناحية من المسجد ، وأرسل إلى الرجل يدعوه فصلى الرجل ركعتين ، واستلم الركن ، وأقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة . فقال المنصور : ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغي في الأرض ، وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع ؟ فو اللّه لقد حشوت مسامعي ما أرمضني « 3 » . فقال : إن أمّنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها ، وإلا احتجرت منك واقتصرت على نفسي فلي فيها شاغل .

--> ( 1 ) التمحيص : التطهير أو الاختيار . ( 2 ) سورة فصلت الآية 36 . ( 3 ) أرمضني : أوجعني وآلمني .