أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

100

العقد الفريد

عمارة قلبك ، وجلاء بصرك . فإنه لا عمل لمن لا نيّة له ، ولا خير لمن لا خشية له ، ولا جديد لمن لا خلق له . من علي إلى ابنه حسن : وكتب علي بن أبي طالب إلى ولده الحسن عليهما السّلام : من عليّ أمير المؤمنين الوالد الفان ، المقرّ للزمان ، المستسلم للحدثان « 1 » ، المدبر العمر ، المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من قد هلك ، غرض الأسقام « 2 » ، ورهينة الأيام ، وعبد الدنيا ، وتاجر الغرور ، وأسير المنايا ، وقرين الرزايا ، وصريع الشهوات ، ونصب الآفات ، وخليفة الأموات . أما بعد ؛ يا بني ، فإن فيما تفكرت فيه من إدبار الدنيا عني ، وإقبال الآخرة عليّ . وجموح الدهر عليّ ما يرغّبني عن ذكر سوائي ، والاهتمام بما ورائي ، غير أنه حيث تفرد بي همّ نفسي دون همّ الناس ، فصدقني رأيي ، وصرفني عن هواي ، وصرح بي محض أمري ، فأفضى بي إلى جدّ لا يزرى به لعب ، وصدق لا يشوبه كذب « 3 » ، ووجدتك يا بني بعضي ، بل وجدتك كلّي ، حتى كأن شيئا لو أصابك لأصابني ، وحتى كأن الموت لو أتاك أتاني . فعند ذلك عناني من أمرك ما عناني من أمر نفسي . كتبت إليك كتابي هذا يا بني مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت ، فإني موصيك بتقوى اللّه ، وعمارة قلبك بذكره ، والاعتصام بحبله فإن اللّه تعالى يقول : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً « 4 » . وأي سبب يا بني أوثق من سبب بينك وبين اللّه تعالى إن أنت أخذت به ، أحي قلبك بالموعظة ، ونوّره بالحكمة وأمته بالزهد ، وذلّله بالموت وقوّه بالغنى عن الناس ، وحذّره صولة الدهر ؛ وتقلّب الأيام والليالي ، واعرض عليه أخبار الماضين وسر في ديارهم وآثارهم فانظر ما فعلوا ، وأين حلوا ، فإنك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور ونزلوا دار الغربة . وكأنك عن

--> ( 1 ) الحدثان : الليل والنهار . ( 2 ) غرض الأسقام : هدفها . ( 3 ) لا يشوبه : يخالطه . ( 4 ) سورة آل عمران الآية 103 .