أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
101
العقد الفريد
قليل يا بني قد صرت كأحدهم ، فبع دنياك بآخرتك ، ولا تبع آخرتك بدنياك . ودع القول فيما لا تعرف ، والأمر فيما لا تكلّف ، وأمر بالمعروف بيدك ولسانك ، وانه عن المنكر بيدك ولسانك ، وباين « 1 » من فعله ، وخض الغمرات إلى الحق ، ولا يأخذك في اللّه لومة لائم ، واحفظ وصيّتي ولا تذهب عنك صفحا ، فلا خير في علم لا ينفع . واعلم أنه لا غنى لك عن حسن الارتياد « 2 » مع بلاغك من الزاد ، فإن أصبت من أهل الفاقة من يحمل عنك زادك فيوافيك به في معادك فاغتنمه ، فإن أمامك عقبة كئودا « 3 » لا يجاوزها إلا أخف الناس حملا فأجمل في الطلب ، وأحسن المكتسب . فرب طلب قد جرّ إلى حرب « 4 » . وإنما المحروب من حرب دينه ، والمسلوب من سلب يقينه . واعلم أنه لا غني يعدل الجنة ؛ ولا فقر يعدل النار . والسّلام عليك ورحمة اللّه وبركاته . منه إلى ولده ابن الحنفية : وكتب إلى ابنه محمد بن الحنفية : أن تفقّه في الدين ، وعوّد نفسك الصبر على المكروه ، وكل نفسك في أمورك كلّها إلى اللّه عز وجل ، فإنك تكلها إلى كهف حريز ، ومانع عزيز ، وأخلص المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان وأكثر الاستخارة له ، واعلم أنّ من كان مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان لا يسير ، فإن اللّه تعالى قد أبى إلا خراب الدنيا وعمارة الآخرة ، فإن قدرت أن تزهد فيها زهدك كله فافعل ذلك ، وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فاعلم علما يقينا أنك لن تبلغ أملك ، ولا تعدو أجلك ، فإنك في سبيل من كان قبلك ، فأكرم نفسك عن كل دنيّة وإن ساقتك إلى الرغائب ، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا ، وإياك أن توجف « 5 » بك مطايا الطمع وتقول : متى ما أخّرت نزعت ، فإن هذا أهلك من هلك قبلك ، وأمسك عليك لسانك ، فإن تلافيك ما فرط من صمتك ، أيسر عليك
--> ( 1 ) باين : فارق وهاجر . ( 2 ) الارتياد : الطلب . ( 3 ) كنودا : يقال : أرض كنود : أي لا تنبت شيئا . ( 4 ) حرب : سلب المال السابق . ( 5 ) توجف : تسرع .