أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

314

العقد الفريد

قائله حسان بن ثابت شاعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم التفت إلى الجواري اللاتي عن يساره ، فقال : باللّه أبكيننا . فاندفعن يتغنين ويخفقن بعيدانهن ويقلن : لمن الدار أقفرت بمعان * بين أعلى اليرموك فالخمان « 1 » ذاك مغنى لآل جفنة في الدّه * ر محلا لحادث الأزمان قد أراني هناك دهرا مكينا * عند ذي التاج مقعدي ومكاني ودنا الفصح فالولائد ينظم * ن سراعا أكلّة المرجان لم يعلّلن بالمغافر والصّم * غ ولا نقف حنظل الشّريان « 2 » قال : فبكى حتى جعلت الدموع تسيل على لحيته ؛ ثم قال : أتدري من قائل هذا ؟ قلت : لا أدري . قال : حسان بن ثابت . ثم أنشأ يقول : تنصّرت الأشراف من عار لطمة * وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنّفني منها لجاج ونخوة * وبعت لها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتني * رجعت إلى الأمر الذي قال لي عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة * وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة * أجالس قومي ذاهب السمع والبصر ثم سألني عن حسان : أحيّ هو ؟ قلت : نعم ، تركته حيّا . فأمر لي بكسوة ومال ونوق موقرة برّا . ثم قال لي : إن وجدته حيّا فادفع إليه الهدية وأقرئه سلامي ، وإن وجدته ميتا فادفعها إلى أهله وانحر الجمال على قبره . فلما قدمت على عمر أخبرته خبر جبلة وما دعوته إليه من الإسلام والشرط الذي شرطه وأني ضمنت له التزويج ولم أضمن له الإمرة ، فقال : هلا ضمنت له الإمرة ؛ فإذا أفاء اللّه به إلى الإسلام قضى عليه بحكمه عز وجل .

--> ( 1 ) الخمّان : من نواحي دمشق . ( 2 ) المغافير : صمغ شبية بالناطف ينضحه العرفط والشريان : شجر من عضاه الجبال .