أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

313

العقد الفريد

كل ، فقبضت يدي . وقلت : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة . فقال نعم صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكن نقّ قلبك وكل فيما أحببت . قال : فأكل في الذهب والفضة وأكلت في الخليج « 1 » ؛ فلما رفع الطعام جيء بطساس الفضة وأباريق الذهب ، وأومأ إلى خادم بين يديه ، فمرّ مسرعا ، فسمعت حسّا ، فالتفتّ ، فإذا خدم معهنّ الكراسي مرصّعة بالجواهر ، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره ، ثم سمعت حسّا ، فإذا عشر جوار قد أقبلن مطمومات الشعر « 2 » متكسرات في الحلى عليهن ثياب الديباج ، فلم أر وجوها قط أحسن منهن ، فأقعدهنّ على الكراسيّ عن يمينه ؛ ثم سمعت حسّا ، فإذا عشر جوار أخرى ، فأجلسهن على الكراسيّ عن يساره ؛ ثم سمعت حسّا ، فإذا جارية كأنها الشمس حسنا ؛ وعلى رأسها تاج ، على ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه ، وفي يدها اليمنى جام « 3 » فيها مسك وعنبر ، وفي يدها اليسرى جامة فيها ماء ورد ، فأومأت إلى الطائر أو قال : فصفرت بالطائر ، فوقع في جام ماء الورد فاضطرب فيه ، ثم أومأت إليه أو قال : فصفرت به ، فطار حتى نزل على صليب في تاج جبلة ؛ فلم يزل يرفرف حتى نفض ما في ريشه عليه . وضحك جبلة من شدّة السرور حتى بدت أنيابه ؛ ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه ، فقال : باللّه أطربنني ؛ فاندفعن يتغنين يخفقن بعيدانهن ويقلن : للّه درّ عصابة نادمتهم * يوما بجلّق في الزمان الأوّل يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل « 4 » أولاد جفنة حول قبر أبيهم * قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهرّ كلابهم * لا يسألون عن السّواد المقبل بيض الوجوه أعفّة أحسابهم * شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل قال : فضحك حتى بدت نواجذه ، ثم قال : أتدري من قائل هذا ؟ قلت : لا . قال :

--> ( 1 ) الخليج : الجفنة . ( 2 ) مطموحات الشعر : ذوات خصل وأجزاء . ( 3 ) الجام : إناء من فضة . ( 4 ) البريص : نهر بدمشق ، وكذلك بردى . والرحيق : الحمر ، والسلسل : اللين .