أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
296
العقد الفريد
فكتب إليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : هذا كتاب من محمد رسول اللّه إلى مخلاف خارف ، وأهل جناب الهضب ، وجفاف الرمل ، مع وفدها ذي المشعار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه ، أن لهم فراعها ووهاطها وعزازها ، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ، يأكلون علافها ، ويرعون عفاها ، لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة ، ولهم من الصدقة الثّلب « 1 » والناب والفصيل والفارض الداجن والكبش الحوري ؛ وعليهم الصّالغ « 2 » والقارح . وفود النخع على النبي صلى اللّه عليه وسلم قدم أبو عمرو النّخعي على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، إني رأيت في طريقي هذه رؤيا ، رأيت أتانا تركتها في الحيّ ولدت جديا أسفع أحوى « 3 » . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : هل لك من أمة تركتها مصرّة « 4 » حملا ؟ قال : نعم ، تركت أمة لي أظنها قد حملت ؟ قال : فقد ولدت غلاما وهو ابنك . قال : فما باله أسفع أحوى ؟ قال : ادن منّي . فدنا منه ؛ فقال : هل بك برص تكتمه ؟ قال نعم ، والذي بعثك بالحق ما رآه مخلوق ولا علم به . قال : فهو ذلك . قال : ورأيت النّعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان . قال : ذلك ملك العرب عاد إلى أفضل زيّه وبهجته . قال : ورأيت عجوزا شمطاء تخرج من الأرض قال : تلك بقيّة الدنيا . قال : ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو ، ورأيتها تقول : لظى لظى ! بصير وأعمى ! أطعموني ! آكلكم آكلكم ! أهلككم ومالكم . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : تلك فتنة في آخر الزمان . قال : وما الفتنة يا رسول اللّه ؟ قال : يقتل الناس إمامهم ثم
--> ( 1 ) الثلب : الجمل تكسّرت أسنانه . ( 2 ) الصالغ : من الشياه : كالقارح من الخيل ، وهي التي دخلت في الخامسة أو السادسة . ( 3 ) الأسفع : الأسود المشرب بالحمرة ، والأحوى : الأحمر إلى سواد . ( 4 ) مصرّة حملا : أي ذات حمل محقق .