أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

291

العقد الفريد

الملك أحلّك محلا رفيعا صعبا منيعا ، باذخا « 1 » شامخا ؛ وأنبتك منبتا طابت أرومته ، وعزّت جرثومته « 2 » ، ونبل أصله ، وبسق فرعه ، في أكرم معدن ، وأطيب موطن ؛ فأنت أبيت اللّعن رأس العرب ، وربيعها الذي به تخصب ، وملكها الذي به تنقاد ، وعمودها الذي عليه العماد ، ومعقلها الذي إليه يلجأ العباد ، سلفك خير سلف ، وأنت لنا بعدهم خير خلف ، ولن يهلك من أنت خلفه ، ولن يخمل من أنت سلفه . نحن أيها الملك أهل حرم اللّه وذمّته وسدنة « 3 » بيته ، أشخصنا إليك الذي أنهجك لكشف الكرب الذي فدحنا ، فنحن وفد التهنئة لا وفود المرزئة . قال : من أنت أيها المتكلم . قال : أنا عبد المطلب بن هاشم . قال : ابن أختنا ؟ قال : نعم . فأدناه وقرّبه ؛ ثم أقبل عليه وعلى القوم وقال : مرحبا وأهلا ، وناقة ورحلا ، ومستناخا سهلا ، وملكا ربحلا « 4 » ، يعطي عطاء جزلا . فذهبت مثلا . وكان أول ما تكلم به قد سمع الملك مقالتكم ، وعرف قرابتكم ، وقبل وسيلتكم فأهل الشرف والنباهة أنتم ، ولكم القربى ما أقمتم ، والحباء إذا ظعنتم . قال : ثم استنهضوا إلى دار الضيافة والوفود ، وأجريت عليهم الأنزال . فأقاموا ببابه شهرا لا يصلون إليه ولا يأذن لهم في الانصراف . ثم انتبه إليهم انتباهة ، فدعا بعبد المطلب من بينهم ، فخلا به وأدنى مجلسه ، وقال : يا عبد المطلب ، إني مفوّض إليك من سرّ علمي أمرا غيرك كان لم أبح له به ، ولكنّني رأيتك موضعه فأطلعتك عليه ؛ فليكن مصونا حتى يأذن اللّه فيه ؛ فإنّ اللّه بالغ أمره : إني أجد في العلم المخزون ؛ والكتاب المكنون الذي ادخرناه لأنفسنا ، واحتجبناه دون غيرنا ، خبرا

--> ( 1 ) الباذخ : الرفيع . ( 2 ) الجرثومة : الأصل . ( 3 ) السدنة : الحفظة والخدم . ( 4 ) الربحل : العظيم .