أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
283
العقد الفريد
قالوا : فعاله أنطق من لسانه . قال كسرى : ما رأيت كاليوم وفدا أحشد ، ولا شهودا أوفد . ثم قام عمرو بن الشريد السّلمي فقال : أيها الملك نعم بالك ، ودام في السرور حالك ؛ إنّ عاقبة الكلام متدبّرة ، وأشكال الأمور معتبرة ، وفي كثير ثقلة ، وفي قليل بلغة ، وفي الملوك سورة العزّ « 1 » ، وهذا منطق له ما بعده ، شرف فيه من شرف ، وخمل فيه من خمل ، لم نأت لضيمك ، ولم نفد لسخطك ، ولم نتعرّض لرفدك . إنّ في أموالنا مرتقدا ، وعلى عزنا معتمدا ؛ إن أورينا نارا أثقبنا ، وإن أود « 2 » دهر بنا اعتدلنا ، إلا أنّا مع هذا لجوارك حافظون ، ولمن رامك مكافحون ، حتى يحمد الصّدر ، ويستطاب الخبر . قال كسرى : ما يقوم قصد منطقك بإفراطك ، ولا مدحك بذمّك . قال عمرو : كفى بقليل قصدي هاديا ، وبأيسر إفراطي مخبرا ، ولم يلم من عزفت « 3 » نفسه عما يعلم ، ورضي من القصد بما بلغ . قال كسرى : ما كل ما يعرف المرء ينطق به . اجلس . ثم قام خالد بن جعفر الكلابيّ فقال : أحضر اللّه الملك إسعادا ، وأرشده إرشادا ؛ إنّ لكل منطق فرصة ، ولكل حاجة غصة ، وعيّ المنطق أشدّ من عيّ السكوت ، وعثار القول أنكى من عثار الوعث « 4 » ، وما فرصة المنطق عندنا إلا بما نهوى ، وغصة المنطق بما لا نهوى غير مستساغة ، وتركي ما أعلم من نفسي ويعلم من سمعني أنني له مطيق أحبّ إليّ من تكلّفي ما أتخوّف ويتخوف مني . وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان ، وهو لك من خير الأعوان ، ونعم حامل المعروف والإحسان . أنفسنا بالطاعة لك باخعة « 5 » ، ورقابنا بالنصيحة خاضعة ، وأيدينا لك بالوفاء رهينة .
--> ( 1 ) سورة العزّ : سطوته . ( 2 ) الأود : الاعوجاج . ( 3 ) عزفت : مالت . ( 4 ) الوعث : المكان السهل الذي تغيب فيه الأقدام . ( 5 ) باخعة : خاضعة ومقرّة .