أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

284

العقد الفريد

قال له كسرى : نطقت بعقل ، وسموت بفضل ، وعلوت بنبل . ثم قام علقمة بن علاثة العامريّ فقال : أنهجت لك سبل الرشاد ، وخضعت لك رقاب العباد : إن للأقاويل مناهج ، وللآراء موالج ، وللعويص مخارج ؛ وخير القول أصدقه ، وأفضل الطلب أنجحه . إنّا وإن كانت المحبّة أحضرتنا ، والوفادة قرّبنا ، فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب « 1 » عنك ، بل لو قست كلّ رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا ، لوجدت له في آبائه دنيا أندادا وأكفاء ، كلهم إلى الفضل منسوب ، وبالشرف والسؤدد موصوف ، وبالرأي الفاضل والأدب النافذ معروف ، يحمى حماه ، ويروى نداماه ، ويذود أعداه ؛ لا تخمد ناره ، ولا يحترز منه جاره . أيها الملك ، من يبل العرب يعرف فضلهم ؛ فاصطنع العرب ، فإنها الجبال الرواسي عزّا ، والبحور الزواخر طميّا « 2 » ، والنجوم الزواهر شرفا ، والحصى عددا ؛ فإن تعرف لهم فضلهم يعزّوك ، وإن تستصرخهم لا يخذلوك . قال كسرى - وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه : حسبك ، أبلغت وأحسنت . ثم قام قيس بن الشّيباني فقال : أطاب اللّه بك المراشد ، وجنّبك المصائب ، ووقاك مكروه الشّصائب « 3 » ؛ ما أحقّنا إذ أتيناك بإسماعك ما لا يحنق صدرك ، ولا يزرع لنا حقدا في قلبك ؛ لم نقدم أيها الملك لمساماة ، ولم ننتسب لمعاداة ، ولكن لتعلم أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أنّا في المنطق غير محجمين ، وفي اليأس غير مقصرين ؛ إن جورينا فغير مسبوقين ، وإن سومينا فغير مغلوبين . قال كسرى : غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين . وهو يعرّض به في تركه الوفاء بضمانه السّواد « 4 » .

--> ( 1 ) عزب : غاب . ( 2 ) الطمي : الامتلاء وارتفاع الموج . ( 3 ) الشصائب : الشدائد . ( 4 ) يريد سواد العراق .