أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

254

العقد الفريد

فهؤلاء أجواد الإسلام المشهورون في الجود المنسوبون إليه ، وهم أحد عشر رجلا كما ذكرنا وسمّينا ، وبعدهم طبقة أخرى من الأجواد ، قد شهروا بالجود وعرفوا بالكرم ، وحمدت أفعالهم ، وسنذكر ما أمكننا ذكره منها إن شاء اللّه تعالى . الطبقة الثانية من الأجواد فمنهم الحكم بن حنطب قيل لنصيب بن رباح : خرف شعرك أبا محجن ! قال لا ، ولكن خرف الكرم ؛ لقد رأيتني ومدحت الحكم بن حنطب ، فأعطاني ألف دينار ومائة ناقة وأربعمائة شاة . وسأل أعرابي الحكم بن حنطب ، فأعطاه خمسمائة دينار ، فبكى الأعرابي ، فقال : ما يبكيك يا أعرابي ؟ لعلك استقللت ما أعطيناك ! قال : لا واللّه ، ولكني أبكي لما تأكل الأرض منك ، ثم أنشأ يقول : وكأنّ آدم حين حان وفاته * أوصاك وهو يجود بالحوباء « 1 » ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم * فكفيت آدم علية الأبناء « 2 » العتبي قال : أخبرني رجل من أهل منبج ، قال : قدم علينا الحكم بن حنطب وهو مملق « 3 » فأغنانا ! قال له : كيف أغناكم وهو مملق ؟ قال : علّمنا المكارم ، فعاد غنيّنا على فقيرنا . ومنهم معن بن زائدة وكان يقال فيه : حدّث عن البحر ولا حرج ، وحدّث عن معن ولا حرج . وأتاه رجل يسأله أن يحمله ، فقال : يا غلام ، أعطه فرسا وبرذونا وبغلا وعيرا وبعيرا وجارية . وقال : لو عرفت مركوبا غير هؤلاء لأعطيتك .

--> ( 1 ) الحوباء : النفس . ( 2 ) عيلة الأبناء : أي معيشتهم . ( 3 ) الإملاق : الفقر .