أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
251
العقد الفريد
قهرمانه . قال : صدقت ، كل ذلك قد رأيته . فوجه إليه مع مسلم بثلاثمائة ألف ، فسبق رسول يبشّره بها ويخبره بما كان . فغضب سعيد وقال للرسول : إن صاحبك ظن أنه أحسن فأساء ، وتأوّل فأخطأ ؛ فأما وسخ ثياب الحشم فمن كثرة حركته اتسخ ثوبه ، وأما كنس الدار فليست أخلاقنا أخلاق من جعل داره مرآته وتزيّنه لبسه ، ومعروفه عطره ، ثم لا يبالي بمن مات هزلا من ذي لحمة أو حرمة . وأما منازعة التجار قهرماني فمن كثرة حوائجه وبيعه وشرائه ؛ لم يجد بدّا من أن يكون ظالما أو مظلوما . وأما المال الذي أمر به أمير المؤمنين فوصلته كل ذي رحم قاطعة وهنأته كرامته المنعم بها عليه ، وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمائة ألف ، ولشرحبيل بن السّمط بمثلها ، وليزيد بن شجرة بمثلها ، وفي سعة اللّه وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه معوّلنا . فركب مسلم بن عقبة إلى معاوية فأعلمه ، فقال : صدق ابن عمي فيما قال ، وأخطأت فيما انتهيت إليه ، فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك ، فإنه من جنى جناية عوقب بمثلها ، كما أنه من فعل خيرا كوفئ عليه . ومن جوده أيضا أن معاوية كان يداول بينه وبين مروان بن الحكم في ولاية المدينة ، فكان مروان يقارضه « 1 » ، فلما دخل على معاوية قال له : كيف تركت أبا عبد الملك ؟ يعني مروان . قال : تركته منفّذا لأمرك ، مصلحا لعملك . قال معاوية : إنه كصاحب الخبزة : كفي إنضاجها فأكلها ! قال : كلا يا أمير المؤمنين ؛ إنه من قوم لا يأكلون إلا ما حصدوا ، ولا يحصدون إلا ما زرعوا . قال : فما الذي باعد بينك وبينه ؟ قال خفته على شرفي وخافني على مثله . قال : فأي شيء كان له عندك ؟ قال : أسوؤه حاضرا وأسرّه غائبا . قال : يا أبا عثمان ، تركتنا في هذه الحروب . قال : حملت الثقل وكفيت الحزم . قال : فما أبطأ بك ؟ قال غناؤك عني أبطأني عنك ، وكنت قريبا لو دعوت لأجبناك ، ولو أمرت لأطعناك . قال : ذلك ظنّنا بك . فأقبل معاوية على أهل الشام فقال يأهل الشام ، هؤلاء قومي وهذا كلامهم . ثم قال : أخبرني عن مالك ،
--> ( 1 ) يقارضه : أي ينظر كلّ واحد إلى صاحبه شزرا .