أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

252

العقد الفريد

فقد نبّئت أنك تتحرّى فيه . قال : يا أمير المؤمنين ، لنا مال يخرج لنا منه فضل ، فإذا كان ما خرج قليلا أنفقناه على قلّته ، وإن كان كثيرا فكذلك ، غير أنا لا ندّخر منه شيئا عن معسر ولا طالب ولا مستحمل ، ولا نستأثر منه بفلذة لحم ولا مزعة « 1 » شحم . قال : فكم يدوم لك هذا ؟ قال : من السّنة نصفها . قال : فما تصنع في باقيها ؟ قال : نجد من يسلفنا ويسارع إلى معاملتنا . قال : ما أحد أحوج إلى أن يصلح من شأنه منك . قال : إن شأننا لصالح يا أمير المؤمنين ، ولو زدت في مالي مثله ما كنت إلا بمثل هذه الحال . فأمر له معاوية بخمسين ألف درهم ، وقال : اشتر بها ضيعة تعينك على مروءتك . فقال سعيد : بل أشترى بها حمدا وذكرا باقيا . أطعم بها الجائع ، وأزوج بها الأيّم ، وأفكّ بها العاني « 2 » ، وأواسي بها الصديق ، ما وأصلح بها حال الجار فلم تأت عليه ثلاثة أشهر وعنده منها درهم . فقال معاوية : ما فضيلة بعد الإيمان باللّه هي أرفع في الذكر ولا أنبه في الشرف من الجود ، وحسبك أن اللّه تبارك وتعالى جعل الجود أحد صفاته . ومن جوده أيضا ما حكاه الأصمعي ، قال : كان سعيد بن العاص يسمر معه سماره إلى أن ينقضي حين من الليل ، فانصرف عنه القوم ليلة ورجل قاعد لم يقم ، فأمر سعيد بإطفاء الشمعة وقال : حاجتك يا فتى ؟ فذكر أنّ عليه دينا أربعة آلاف درهم . فأمر له بها ، وكان إطفاؤه للشمعة أكثر من عطائه . جود عبيد اللّه بن أبي بكرة ومن جود عبيد اللّه بن أبي بكرة أنه أدلى إليه رجل بحرمة ، فأمر له بمائة ألف درهم ، فقال : أصلحك اللّه ، ما وصلني أحد بمثلها قط ، ولقد قطعت لساني عن شكر غيرك ، وما رأيت الدنيا في يد أحد أحسن منها في يدك ، ولولا أنت لم تبق لها بهجة إلا أظلمت ، ولا نور إلا انطمس .

--> ( 1 ) المزعة : القطعة . ( 2 ) العاني : الأسير .