أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
220
العقد الفريد
قال فضحك المهدي وقال : فما تريد أن أعينك به في تربيتها أبا دلامة ؟ قال : تملأ هذه يا أمير المؤمنين . وأشار إليه بالخريطة بين إصبعيه . فقال المهدي : وما عسى أن تحمل هذه ؟ قال : من لم يقنع بالقليل لم يقنع بالكثير . فأمر أن تملأ مالا ، فلما نشرت أخذت عليهم صحن الدار ، فدخل فيها أربعة آلاف درهم . وكان المهدي قد كسا أبا دلامة ساجا « 1 » ، فأخذ به وهو سكران ، فأتي به إلى المهدي ؛ فأمر بتمزيق الساج عليه وأن يحبس في بيت الدّجاج ؛ فلما كان في بعض الليل وصحا أبو دلامة من سكره ورأى نفسه بين الدّجاج ، صاح : يا صاحب البيت ! فاستجاب له السجان ، قال : مالك يا عدوّ اللّه ؟ قال : ويلك ! من أدخلني مع الدّجاج ؟ قال : أعمالك الخبيثة ! أتي بك أمير المؤمنين وأنت سكران ، فأمر بتمزيق ساجك وحبسك مع الدّجاج . قال له : ويلك ! أو تقدر على أن توقد لي سراجا وتجيئني بدواة وورق ولك سلبي « 2 » هذا . فأتاه بدواة وورق ؛ فكتب أبو دلامة إلى المهديّ : أمن صهباء صافية المزاج * كأنّ شعاعها لهب السّراج تهشّ لها النفوس وتشتهيها * إذا برزت ترقرق في الزّجاج وقد طبخت بنار اللّه حتّى * لقد صارت من النّطف النّضاج « 3 » أمير المؤمنين فدتك نفسي * علام حبستني وخرقت ساجي أقاد إلى السجون بغير ذنب * كأنّي بعض عمّال الخراج ولو معهم حبست لهان وجدي * ولكنّي حبست مع الدّجاج دجاجات يطيف بهنّ ديك * ينادي بالصّياح إذا يناجي وقد كانت تخبّرني ذنوبي * بأنّي من عذابك غير ناجي على أنيّ وإن لاقيت شرّا * لخيرك بعد ذاك الشرّ راجي ثم قال أوصلها إلى أمير المؤمنين . فأوصلها إليه السجّان ، فلما قرأها أمر بإطلاقه
--> ( 1 ) الساج : الطيلسان الأسود أو الأخضر . ( 2 ) السلب : الغنيمة . ( 3 ) النّطفة : الماء الصافي قلّ أو كثر .