يحيي بن حمزة العلوي اليمني
99
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
وإن ضيّعوا غيبى حفظت غيوبهم * وإن هم هووا عنى هويت لهم رشدا فانظر إلى هذه الأبيات ، ما أجمعها لفنون الإنصاف ، وأبلغها في مراعاة جانب الحق والاعتراف ، فهذه الألفاظ وإن كانت متغايرة ، لكنها متطابقة في المقصود دالة عليه ، وكما يرد التأكيد المعنوي على ما ذكرناه فقد يرد ببرهان يشهد له ، وتارة يرد على جهة العزيمة ، ومرة بغير ذلك ، فهذه وجوه ثلاثة ، أولها ما يرد ببرهان دال عليه وهذا كقول أبى نواس « 1 » : قل للذي بصروف الدهر عيّرنا * هل عاند الدهر إلا من له خطر أما ترى البحر يعلو فوقه جيف * وتستقرّ بأقصى قعره الدّرر وفي السماء نجوم ، لا عديد لها * وليس يكسف إلا الشمس والقمر فقوله : « أما ترى البحر » ، وقوله : « وفي السماء نجوم » ، إنما أوردهما على جهة الاستدلال والتقرير لما ادعاه من معاندة الدهر لذوي الأخطار وأهل المراتب العالية . وثانيها أن يكون واردا على جهة العزيمة والاهتمام بأمره ، وهذا كقوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 ) [ الواقعة : 75 - 76 ] فقوله « وإنه لقسم » إنما ورد على جهة التأكيد لقوله « فلا أقسم » على جهة العزيمة لكونه قسما بالغا عظيما . وثالثها أن يكون واردا على خلاف هذين الوجهين وهذا كقوله « 2 » : فدعوا نزال فكنت أوّل نازل * وعلام أركبه إذا لم أنزل ؟ فقوله « فعلام أركبه » وارد على جهة التأكيد لقوله « فكنت أول نازل » بالاستفهام على جهة التقرير وكقوله « 3 » : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول ، من قراع الكتائب فقوله : « غير أن سيوفهم » إنما ورد على جهة التأكيد المعنوي ، لكونهم شجعانا ، فأورده
--> ( 1 ) البيت الثالث من هذه الأبيات بلا نسبة في تاج العروس ( نجم ) ورواية الشطر الأول هناك : ففي السماء نجوم ما لها عدد * . . . . . . . . . . ( 2 ) انظر البيت في الإيضاح / 193 بتحقيقنا ، وقائله هو ربيعة بن مقروم الضبي . ( 3 ) انظر البيت في المصباح / 239 ، والإيضاح / 325 ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص 44 ، والإشارات ص 111 ، والتبيان للطيبي بتحقيقنا .