يحيي بن حمزة العلوي اليمني

94

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الفصل الحادي عشر في [ التأكيد ] اعلم أن التأكيد تمكين الشئ في النفس وتقوية أمره ، وفائدته إزالة الشكوك وإماطة الشبهات عما أنت بصدده ، وهو دقيق المأخذ ، كثير الفوائد ، وله مجريان . « المجرى الأول » عام وهو ما يتعلق بالمعاني الإعرابية ، وينقسم إلى لفظي ومعنوي ، وليس من همنا إيراده هاهنا لأمرين ، أما أولا فلانحراف ما يتعلق بمقاصد الإعراب عما يتعلق بمقاصد البلاغة ، وما نحن فيه إنما هو كلام في مقاصد البلاغة ، وأما ثانيا فلأن كتابنا إنما يخوض فيه من له ذوق في علم العربية وكانت له حظوة وافرة فيها . « المجرى الثاني » خاص يتعلق بعلوم البيان ، ويقال له التكرير أيضا ، وليس يخفى موقعه البليغ ولا علو مكانه الرفيع ، وكم من كلام هو عن التحقيق طريد ، حتى يخالطه صفو التأكيد ، فعند ذاك يصير قلادة في الجيد ، وقاعدة للتجويد ، ثم ما يكون متعلقا بعلوم البيان قد يكون تأكيدا في اللفظ والمعنى ، وقد يتعلق بالمعنى دون اللفظ ، فهذان قسمان القسم الأول ما يكون تأكيدا في اللفظ والمعنى جميعا اعلم أن ما نورده في هذا القسم ينبغي إمعان النظر فيه لغموضه ودقة مجاريه ، ومن أجل ورود التأكيد من جهة اللفظ والمعنى والتكرير في كتاب الله تعالى ظن بعض من ضاقت حوصلته ، وضعفت بصيرته عن إدراك الحقائق ، والتطلّع إلى مآخذ الدقائق أنه خال عن الفائدة ، وأنه لا معنى تحته إلا مجرد التكرير لا غير ، وهذا خطأ وزلل ، فإن كتاب الله تعالى لم يبلغ حد الإعجاز في البلاغة والفصاحة سواه من بين سائر الكلمات ، ولو كان فيه ما هو خال عن الفائدة بالتكرير لم يكن بالغا هذه الدرجة ولا كان مختصا بهذه المزية ، وأيضا فإن سائر الكلمات التي هي دونه في الرتبة قد يوجد فيه التكرير مع اشتمالها على الفائدة فكيف هو ؟ ! ونحن الآن نعلو ذروة لا ينال حضيضها في بيان معاني الألفاظ المكررة ، في لفظها ومعناها في كتاب الله تعالى ، ونظهر أنها مع أن تكريرها ، إنما كان لمعان