يحيي بن حمزة العلوي اليمني

95

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

جزلة ، ومقاصد سنيّة بمعونة الله تعالى ، فمن ذلك قوله تعالى في سورة الرحمن : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) [ الرحمن : 13 ] فهذا تكرير من جهة اللفظ والمعنى ، ووجه ذلك أن الله تعالى إنما أوردها في خطاب الثقلين الجن والإنس ، فكل نعمة يذكرها ، أو ما يؤول إلى النعمة ، فإنه يردفها بقوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) تقريرا للآلاء ، وإعظاما لحالها ، ومن ذلك في سورة القمر قوله : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 ) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 18 ) [ القمر : 17 - 18 ] وإنما كرره لما يحصل فيه من إيقاظ النفوس بذكر قصص الأولين ، والاتّعاظ بما أصابهم من المثلات ، وحل بهم من أنواع العقوبات ، فيكون بمنزلة قرع العصا ، لئلا تستولى عليهم الغفلة ، ويغلب عليهم الذهول والنسيان ، وهكذا ما ورد في سورة المرسلات وغيرها ، وإنما كرر ذلك لأنه لما ذكر يوم القيامة وأنه كائن لا محالة ، ثم عدد هذه الأمور كلها ، وأنها كالدلالة عليه ، وما من واحدة منها إلا ويعقبها بقوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 19 ) [ المرسلات : 19 ] مبالغة في الإنكار عليهم وتأكيدا لوقوع السخط والغضب لأجل تكذيبهم ، وحذارا عن الإتيان بمثل ما أتوا به من إنكار هذا اليوم العظيم ، وهكذا القول فيما ورد من الآيات المكررة ، فإنها لم تتكرر إلا لمقصد عظيم في الرمز إلى ذلك المعنى الذي سيقت من أجله ، فليحكّ الناظر قلبه في إدراك تلك اللطائف ، وليجعلها منه على بال وخاطر ، ولا يتساهل في إحرازها فيلمحها بمؤخر عينه ، فإنها مشتملة على أسرار ورموز ، ومن أحاط بها فقد أوتى من البلاغة مفاتيح الكنوز ، هذا كله فيما تكرر لفظه مرات كثيرة ، من آي التنزيل ، فأما ما كان تكريره مرتين فهو غير خال عن فائدة ظاهرة ، وهذا كقوله تعالى : وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ [ الأنفال : 7 ] ثم قال بعد ذلك لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ [ الأنفال : 8 ] فهذا وإن تكرر لفظه ومعناه ، فلا يخلو عن حال لأجله وقع التغاير ، وذلك من وجهين ، أما أولا فلأن الأول وارد على جهة الإنشاء ، والثاني وارد على جهة الخبر ، وأما ثانيا فلأن الأول وارد في الإرادة ، والثاني وارد في الفعل نفسه ، ولأن الأول الغرض به إظهار أمر الدين بنصرة الرسول بقتل من ناوأه ، ولهذا قال بعده وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) [ الأنفال : 7 ] والغرض بالثاني التمييز بين ما يدعو الرسول إليه من التوحيد ، وإخلاص العبادة لله ، وبين أمر الشرك وعبادة الأصنام ، ولهذا قال بعده وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 8 ) [ الأنفال : 8 ] ومن ذلك قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ الحجرات : 15 ] ثم قال بعد ذلك إِنَّ