يحيي بن حمزة العلوي اليمني
80
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الفصل التاسع في بيان منزلة اللفظ من معناه وكيفية إضافته إلى قائله ، وكيفية دلالته على معناه وبيان قوة المعنى لقوة اللفظ . اعلم أن هذا الفصل إنما أوردناه هاهنا لكونه مشتملا على قوانين تتعلق بالدلائل الإفرادية ، ولها تعلق بما نحن فيه من علة المعاني ، وتفيد فيه فائدة جزلة غير خافية ، وجملتها أربعة : القانون الأول في بيان منزلة اللفظ من معناه ، وبيان درجته منه اعلم أن الذي عليه علماء الأدب من أهل اللغة وعلم الإعراب وهو الذي عول عليه جماهير الأصوليين أن دلالة الألفاظ على معانيها ، إنما هو من جهة المواضعة ، وخالف في ذلك طوائف . واستقصاء الكلام يليق بالمباحث الكلامية ، فإذا قلت : قام زيد فإنه يفيد بالوضع أمورا ثلاثة ، القيام ، وزيد ، واتصاف زيد بالقيام ، فإذا كانت الألفاظ مفيدة للمعاني كما ترى لكونها موضوعة من أجلها ، فاعلم أن الذي عليه أهل التحقيق أن الألفاظ تابعة للمعاني ، وقد صار صائرون إلى أن المعاني تابعة للألفاظ ، والذي أوقعهم في هذا الوهم وقرر عندهم هذا الخيال ، هو أنهم لما رأوا المعاني لا يرسخ معقولها في الأفئدة إلا بعد أن تخرق الألفاظ قراطيس أسماعهم ، فتوهموا من أجل ذلك أنها تابعة للألفاظ ، والمعتمد في بطلان هذه المقالة أوجه ثلاثة ، أولها : هو أن معنى الفرس ، والأسد ، والإنسان ، مفهوم عند العقلاء لا يتغير ، والعبارات عن كل واحد من هذه الحقائق تختلف عليه بحسب اختلاف اللغات من العربية ، والفارسية ، والتركية ، والرومية ، والسريانية ، فلو كانت المعاني تابعة للألفاظ كما زعموه لوجب أن تكون مختلفة لاختلاف هذه الألفاظ ، فلما عرفنا خلاف ذلك دل على صحة ما قلناه ، من كون المعاني أصلا للألفاظ ، وثانيا : أن المعاني منها ما يكون معنى واحدا ، ثم توضع له ألفاظ كثيرة تدل عليه وتشعر به ، فلو كانت المعاني تابعة للألفاظ لكان يلزم إذا كانت الألفاظ مختلفة أن يكون المعاني مختلفة أيضا ، فلما كان المعنى واحدا والألفاظ متغايرة بطل ما قالوه ، وثالثها أن المعاني لو