يحيي بن حمزة العلوي اليمني
37
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
يكون الكريم هو زيد ، ولأن السجود قد يكون عبارة عن المصدر ، فلو عطفه لأوهم كونه مصدرا والمراد الجمع ، لا يقال : فهلّا قال : السّجّد ، ليطابق قوله : الركع ، كما جاء في آية أخرى : تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً [ الفتح : 29 ] أو قال : الركوع ليطابق السجود ، فما الوجه في المخالفة بينهما ، لأنا نقول : السجود يطلق على وضع الجبهة على الأرض ، وعلى الخشوع ، ولو قال : السجد ، لم يتناول إلا المعنى الظاهر من غير إفادة الخشوع ، ويصدق ذلك قوله تعالى : تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً [ الفتح : 29 ] لما كان من رؤية العين ، ورؤية العين لا تتعلق إلا بالظاهر ، فقصد بذلك الإشارة إلى السجود المعنوي فالصورى ، بخلاف الركوع ، فإنه ظاهر في أعمال الجوارح الظاهرة التي لا يشترط فيها البيت كما في الطواف والقيام المتقدمين ، دون أعمال القلب ، فلأجل هذا جعل السجود وصفا للركّع ، وإنما أراد الخشوع الذي هو روح الصلاة وكمالها ، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر ما يجب تقديمه ، ولو أخر لفسد المعنى ، وتغير ، ثم نذكر ما يجوز تقديمه ، ولو أخر لم تفسد المعنى فهذان تقريران : التقرير الأول ما يجب تقديمه ولو تأخر لفسد معناه ، ونذكر من ذلك صورا خمسا . الصورة الأولى [ تقديم المفعول على فعله ] كقولك : زيدا ضربت ، في ضربت زيدا ، فإن في قولك : زيدا ضربت تخصيصا له بالضرب دون غيره ، بخلاف قولك : ضربت زيدا ، وبيانه هو أنك إذا قدمت الفعل فإنك تكون بالخيار في إيقاعه على أي مفعول أردت بأن تقول ضربت زيدا أو عمرا أو بكرا أو خالدا ، وإذا أخرت الفعل وقدمت مفعوله فإنه يلزم الاختصاص للمفعول على أنك لم تضرب أحدا سواه ، فأما قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] فهل يكون تقديم المفعول به من أجل الاختصاص ، أو من أجل المشاكلة لرءوس الآي ، فيه مذهبان : المذهب الأول أن تقديم المفعول إنما كان من أجل الاختصاص ، وهذا هو الذي أشار إليه الزمخشري في تفسيره ، وهو رأى الأكثر من علماء البيان ، وذلك لأن المفعول إذا تقدم لزم الاختصاص كما قلناه في قولنا : زيدا ضربت ، ولأجل ذلك تكون العبادة مختصة بالله تعالى لأجل التقدم ، وعلى هذا ورد قوله تعالى : بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ