يحيي بن حمزة العلوي اليمني

38

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

[ الزمر : 66 ] ولم يقل : بل اعبد الله ، لأجل الاختصاص ، وعلى هذا يحمل قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] فتقدمه من أجل الاختصاص ، وهذا فيه نظر لقوله تعالى فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ [ قريش : 3 ] وقوله تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [ النساء : 36 ] وقوله تعالى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ [ الحجر : 99 ] وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ [ الحج : 77 ] ولو كان التقديم من أجل الاختصاص لوجب تقديمه في هذه الآيات كلها ، فلما ورد مؤخرا عن الفعل والمعنى واحد بطل ما قاله . المذهب الثاني أنه إنما قدّم من أجل المشاكلة لرءوس الآي ، ومراعاة حسن الانتظام ، واتفاق أعجاز الكلم السجعية ؛ لأن قبله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] فلو قال : نعبدك ، ونستعينك ، لذهبت تلك الطلاوة ، ولزالت تلك العذوبة ، وهذا شيء يحكى عن بعض علماء البيان واختاره ابن الأثير ، والمختار عندنا أنه لا منافاة بين الأمرين فيجوز أن يكون التقديم من أجل الاختصاص ، والتشاكل ، فيكون في التقديم مراعاة لجانب اللفظ والمعنى جميعا ، فالاختصاص أمر معنوي ، والتشاكل أمر لفظي . وعلى هذا ورد قوله تعالى : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى [ طه : 67 ] وقوله تعالى : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 ) [ الحاقة : 30 - 31 ] ومنه قوله تعالى : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 ) [ الضحى : 9 - 10 ] وقوله تعالى : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ [ يس : 39 ] ولم يقل وقدّرنا القمر ، ليطابق ما تقدم من الجمل الابتدائية في قوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ [ يس : 37 ] وقوله وَالشَّمْسُ تَجْرِي [ يس : 38 ] فبالتقديم تحصل ملاحظة الأمرين جميعا . الصورة الثانية [ تقديم خبر المبتدأ عليه ] في نحو قولك : قائم زيد ، في : زيد قائم ، فإنك إذا أخرت الخبر فليس فيه إلا الإخبار بأن زيدا قائم لا غير من غير تعرض لمعنى من المعاني البليغة ، بخلاف ما إذا قدمته وقلت : قائم زيد ، فإنك تفيد بتقديمه أنه مختص بهذه الصفة من بين سائر صفاته من الأكل ، والضحك وغيرها ، أو تفيد تخصيصه بالقيام دون غيره من سائر أمثاله ، وتفيد وجها آخر وهو أنه يكون كلاما مع من يعرف زيدا وينكر قيامه فتقول : قائم زيد ، ردا لإنكار من ينكره ، ومن هذا قوله تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ [ الحشر : 2 ] فإنما قدم قوله : مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ وهو خبر المبتدأ في أحد وجهيه ، ليدل بذلك على فرط اعتقادهم لحصانتها ومبالغة في شدة وثوقهم بمنعها إياهم ،