يحيي بن حمزة العلوي اليمني
36
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الإنس وقوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الرحمن : 33 ] إنما قدمهم لما كان المقام مقام تسلط واجتراء والجن ، بذلك أحق فلهذا قدمهم ، فأما قوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ [ آل عمران : 14 ] فلأن الله تعالى لما صدّر الآية بذكر الحب ، وكان المحبوب ، مختلف المراتب متفاوت الدرج ، اقتضت الحكمة الإلهية تقديم الأهم فالأهم من المحبوبات ، فقدم النساء على البنين لما يظهر فيهن من قوة الشهوة ونزوع الطبع وإيثارهن على كل محبوب وقدم البنين على الأموال لتمكنهم في النفوس واختلاط محبتهم بالأفئدة ، وهكذا القول في سائر المحبوبات ، فالنساء أقعد في البيوت ، والبنون أقعد في المحبة من الأموال ، والذهب أكثر تمكنا من الفضة ، والخيل أدخل في المحبة من الأنعام ، والمواشي أدخل من الحرث ، فأما قوله تعالى : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [ التغابن : 15 ] فإنما قدم الأموال هاهنا لأنه في معرض ذكر الافتتان ، ولا شك أن الافتتان بالمال أدخل من الافتتان بالأولاد ، لما فيه من تعجيل اللذة والوصول إلى كل مسرة والتمكن من البسطة والقوة ، بخلاف آية القناطير ، فإنه إنما قدم البنين فيها لما ذكرها في معرض الشهوة وتمكين المحبة ، ومما ينتظم في سلك هذا العقد النفيس قوله تعالى : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [ الحج : 26 ] فإنما قدم الطائفين لأن سياق الآية في عظم العناية بالبيت والطائفون أقرب ما يكونون إليه ، فلهذا قدمهم ، ثم ثنى بالقائمين لأنه يلي الطواف في الرتبة لأن القيام يشملهما جميعا ، وإنما جمعا لأن الجمع أدل على العموم من المفرد ، وإنما جمعا جمع السلامة لأن في لفظ اسم الفاعل إشعارا بالتجدد والحدوث ، كالفعل ، فالطائفون والقائمون في معنى يطوفون ويقومون ، وإنما عدل إلى لفظ اسم الفاعل تجريدا له عن تعلق الأزمنة التي يدل عليها الفعل ، وكان اسم الفاعل أحق لما فيه من الإشعار بالحدوث والتجدد ، وتجرده عن الدلالة على الأزمنة ، ثم ثلث بالركع السجود ، وإنما جمعه جمع التكسير وعدل عن مشاكلته لما قبله من جمع السلامة ، لما ذكرناه من أن جمع السلامة في الطائفين والقائمين ، فيه تنبيه على تجدد الطواف المختص بالبيت ، والقيام ، لأنه نوع منه ، بخلاف الركوع والسجود ، فإنهما لا يختصان بالبيت ، بل كما يكونان فيه يكونان بغيره ، ثم وصف الركع بالسجود ، ولم يعطفه بالواو كما فعل بالقائمين . لأن الركع هم السجود ، والشئ لا يعطف على نفسه ، كما لا تقول : جاءني زيد والكريم ، على أن