يحيي بن حمزة العلوي اليمني
29
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة أو الخباء ، فقيل لهم : ليس البر تحرّجكم من دخول البيت ، ولكن البر من اتقى محارم الله . وثانيها أن يكون ذلك معطوفا على شيء محذوف ، كأنه قيل لهم عند سؤالهم : معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى فيه حكمة عظيمة ، ومصلحة ظاهرة في الأهلة وغيرها ، فدعوا هذا السؤال ، وانظروا في خصلة تفعلونها أنتم مما ليس ، من البر في ورد ، ولا صدر ، وهي إتيان البيوت من ظهورها ، فليست برّا ، ولكن البر هو تقوى الله تعالى والتجنب لمحارمه ومناهيه ، وثالثها أن يكون واردا على جهة التمثيل لما هم عليه من تعكيس الأسئلة ولما هم بصدده من التعنت ، وأن مثالهم في سؤالاتهم المتعنتة ، كمثل من ترك باب الدار ، ودخل من ظهر البيت فقيل لهم : ليس البر ما أنتم عليه ، ولكن البر هو التقوى . ومنه قوله عليه السلام ، حين سئل عن التوضؤ بماء البحر ، فقال : « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » . فلما كان للبحر تعلق بحل الميتة كما كان له تعلق بجواز التوضؤ ، ذكره على أثره ، وأردفه به ، وأتى به من غير واو ، ليدل بذلك على أنهما جميعا من حكم ماء البحر ومن لوازمه . التنبيه الثالث إذا ورد لفظة « قال » في التنزيل مجردة عن حرف العطف فهو على تقرير سؤال ، وإن جاء متصلا به حرف العطف ، فهو يأتي على إثر جملة يكون معطوفا عليها ، فمثال وروده معطوفا قوله تعالى : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ( 24 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً [ الذاريات : 24 - 25 ] فالقول معطوف على الدخول ، وهكذا قوله تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً [ الأنبياء : 26 ] فإنه يكون عطفا على ما قبله بالواو ، ونحو قوله تعالى : وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ [ الزخرف : 58 ] إلى غير ذلك ، ومثال ما ورد مجرّدا عن العاطف قوله تعالى : فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 27 ) [ الذاريات : 27 ] لأنه لما قربه إليهم ، كأن قائلا قال : فما قال لهم لما قربه ، قال : ألا تأكلون ، وهكذا قوله تعالى فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ [ الذاريات : 28 ] كأن قائلا قال : فما قالوا له حين رأوه قد تغير لونه وداخله الخوف ، قالوا : لا تخف ، وقوله تعالى في قصة فرعون وردّ موسى عليه يجب تنزيله على ما ذكرناه : قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ