يحيي بن حمزة العلوي اليمني
28
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
التنبيه الثاني من حق المحدّث عنه في الجملة الثانية ، أن يكون له تعلق بالمحدث عنه في الجملة الأولى ، حتى يكونا كالنظيرين والشريكين ، ولا يجوز أن يكون أجنبيا عنه بحيث لا علقة بينهما ولا مشابهة بحال ، ولهذا حسن : زيد قائم ، وعمرو قاعد ، وزيد أخوك ، وبشر صاحبك ، لما كان عمرو ، وبشر ، لهما تعلق بزيد ونظيران له ، وقبح قولنا : خرجت من دارى ، وأحسن ما قيل من الشعر كذا ، لما كان الثاني لا تعلق له بالأول ، ولا مناسبة بينه ، وبينه ولهذا عيب على أبى تمام قوله « 1 » : لا والذي هو عالم أن النوى * صبر وأن أبا الحسين كريم إذ لا ملابسة بين كرم أبى الحسين وبين مرارة النوى ، ولا تعلق لأحدهما بالآخر ، وكما وجب أن يكون بين المحدث عنه في الجملتين هذه الملاءمة والمشابهة ، فهكذا أيضا يجب في الخبر الثاني أن يكون مشابها للخبر الأول أو مناقضا له ، ولهذا حسن قولنا : زيد خطيب ، وعمرو شاعر ، وبكر فقيه ، وخالد محدث ، وزيد قائم ، وعمرو قاعد ، وقبح قولنا : زيد طويل القامة ، وعمرو شاعر ، إذ لا تعلق بين طول القامة ، وبين كونه شاعرا ، وهكذا زيد كاتب ، وعمرو باع داره ، لأجل ما بينهما من المنافرة . إشارة إذا أوجبتم ما تقدم من وجوب الملاءمة بين المعطوف والمعطوف عليه فكيف يقال في قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [ البقرة : 189 ] وأي ارتباط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها ؟ قلنا فيه أجوبة ثلاثة ؛ أحدها أنه لما ذكر أنها مواقيت للحج ، وكان من عادتهم ذلك كما نقل في الحديث أن ناسا كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحدهم بيتا ولا خيمة ولا خباء من باب ، بل إن كان من أهل المدر نقب نقبا من ظاهر البيت يدخل منه ، وإن كان
--> ( 1 ) انظر المصباح / 65 ، والإيضاح / 149 بتحقيقنا ، وهو في ديوانه / 3 / 290 ، دلائل الإعجاز / 173 ، وأبو الحسين : محمد بن الهيثم ممدوح الشاعر ، والبيت كله جواب القسم في بيت الشاهد ، وانظر نهاية الإيجاز / 323 ، عقود الجمان / 173 .