يحيي بن حمزة العلوي اليمني

22

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

كانا متناقضين بما ذكرناه ، وجب ورود الواو فصلا بينهما كما ذكرناه في الأول والآخر ، وأما ثانيا فلأنهما وإن كانا من صفات الأفعال لكنه جمع بينهما بالواو لسر لطيف ، وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين ، بين أن تقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات ، وأن يجعلها إمحاء للذنوب ، كأن لم يذنب ، كأنه قال : جامع المغفرة والقبول ، ومن وجه آخر ، وهو أنهما وإن كانا من صفات الأفعال خلا أن المغفرة مختصة بالعبد ، وقبول التوبة مختص بالله تعالى ، فلما تغاير أمر هذا الوجه لا جرم وردت الواو منبهة على تغايرهما ، وإنما وردا على وزن اسمى الفاعل دون ما بعدهما وما قبلهما من الصفات ، ولم يقل : الغفار والتواب ، كما ورد في موضع من التنزيل ، دلالة على أن الغرض هاهنا إحداث المغفرة والتوبة من جهته تعالى للعبيد لمزيد الرحمة واللطف ، بخلاف قولنا : التواب والغفار ، فإن الغرض بهما هو الثبوت والاستمرار دون الحدوث ، فافترقا ، وإنما جاء قوله : شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ من غير واو لكون الأوصاف ملتئمة متناسبة يجمعها كونها من صفات الأفعال ، كما جاء قوله : الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [ الحشر : 24 ] من غير واو لكونها جميعا من الصفات الفعلية ، فنبه بلفظ اسم الفاعل على أنه تعالى فاعل للأمرين جميعا ، محدث لهما من جهته ، ليكون ذلك لرجاء الرحمة من عنده والأمل للعفو برحمته وكرمه ، ثم عقّبه بقوله : شَدِيدِ الْعِقابِ [ غافر : 3 ] تحذيرا عن مواقعة الخطايا وملابسة المعاصي وزجرا عن الاتّكال على ما سلف من الغفران وقبول التوبة ، ثم ختم هذه الصفات بأحسن ختام وأعجب تمام بالوصف « بالطول » رحمة للخلق ، وتسلية للعبيد ، وعدة لهم بأن منتهى الأمر في حقهم ، الطول عليهم بالكرم ، واندراجهم في غمار الرحمة الواسعة واللطف العظيم ، اللهم اجعلنا ممن شملته رحمتك ، وأدخلته في عبادك الصالحين ، لا يقال : فعلام يحمل قوله تعالى : شَدِيدِ الْعِقابِ فإن حمل على الصفة فهو نكرة ؛ لأن الصفة المشبهة باسم الفاعل لا تتعرف بإضافتها إلى المعرفة ، وإن حملتموه على البدلية مما قبله ، حصل هناك تنافر في نظام الآية وسياقها ؛ لأن ما قبله صفة وما بعده صفة ، فلا يجوز حمله على البدلية لما ذكرناه ؛ لأنا نقول حكى عن أبي إسحاق الزجاج أنه حمله على البدلية ، وما ذاك إلا لأنه اعتاص عليه تنزيله على وجه يتعرف به ، فعدل إلى هذه المقالة ، وهذا لعمري أسرع وأخلص لكن غيره أدق وأغوص ، والأقرب حمله على الصفة ، ليطابق ما قبله وما بعده ، فأما تعريفه ففيه تأويلات ، التأويل الأول ذكره الزمخشري في تفسيره أن