يحيي بن حمزة العلوي اليمني
203
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
تنبيه اعلم أنا لما فرغنا من تقسيم المقابلة وبيان أمثلتها فلنذكر على أثره الكلام في المؤاخاة بين المعاني ، والمؤاخاة بين الألفاظ ، فأما المؤاخاة اللفظية فإنه ينبغي ويحسن مراعاتها ، كالإفراد والتثنية والجمع وغير ذلك من الأحكام اللفظية ، فإذا كان الأول مفردا استحب في مقابله أن يكون مفردا مثله ، وهكذا إذا كان مجموعا ، ومن ثم عيب على أبى تمام قوله في وصف الرماح « 1 » : مثقّفات سلبن العرب سمرتها * والروم زرقتها والعاشق القصفا فلما ذكر العرب الروم كان الأخلق به أن يقول « والعشاق » ليوافق الأول في كونها جموعا كلها ، وكذلك لما ذكر الزرقة والسمرة كان الأولى أن يقول « دقّتها » أو يقول « قصفها » ليطابق ما سبق من ذلك ، وهكذا ورد في قول أبى نواس في وصف الخمر قال « 2 » : صفراء مجّدها مرازبها * جلّت عن النّظراء والمثل فجمع ثم أفرد في معنى ، فكان الأحسن أن يقول « والأمثال » ليطابق النظراء ، أو يقول « النظير » ليطابق « المثل » وهكذا ورد قوله أيضا على مثل ذلك « 3 » : ألا يا ابن الذين فنوا فماتوا * أما والله ما ماتوا لتبقى وما لك فاعلمن فيها مقام * إذا استكملت آجالا ورزقا وكان الأحسن أن يقول : إما أجلا ورزقا فيفردهما جميعا ، وإما أن يقول : آجالا وأرزاقا ، فيجمعها جميعا من غير مخالفة بينهما ، وهذا الذي ذكرناه من هذه المراعاة ليست على جهة الوجوب ، بل المراد من ذلك طريقة الحسن والإعجاب ، ولهذا ورد في كتاب الله تعالى كقوله تعالى : طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [ النحل : 108 ] وقوله تعالى : شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ [ فصلت : 20 ] وقوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [ البقرة : 7 ] فلو كان ركيكا لما ورد في القرآن ، وهو أفصح
--> ( 1 ) البيت لأبى تمام ، وهو في ديوانه ص 191 ، ويروى : مثقفات سبلن الروم زرقتها * والعرب سمرتها والعاشق القضبا ( 2 ) البيت لأبى نواس في ديوانه ص 300 . ( 3 ) البيت لأبى نواس في ديوانه ص 191 .