يحيي بن حمزة العلوي اليمني

204

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الكلام كله ، هذا كله في اعتبار المؤاخاة اللفظية ، وأما المؤاخاة المعنوية فهي واردة في القرآن كثيرا ، وهذا إنما يكون في فواصل الآي ، فإنها تأتى مطابقة على ما سبق من معنى الآية ومثاله قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 63 ) [ الحج : 63 ] وكقوله تعالى : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 64 ) [ الحج : 64 ] وقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 65 ) [ الحج : 65 ] فالآية الأولى إنما فصلها بقوله : لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 63 ) لما فيه من المطابقة لمعناها ، لأنه ضمّنها ذكر الرحمة للخلق بإنزال الغيث لما فيه من المعاش لهم ولأنعامهم ، فكان لطيفا بهم خبيرا بمقادير مصالحهم ، وأما الآية الثانية فإنما فصلها بقوله الغنى الحميد ، ليطابق ما أودعه فيها ، لأنه لما ذكر أنه مالك لما في السماوات والأرض لا لحاجة ، قابله بقوله لهو الغنى ، أي عن كل شيء لأن كل غنى لا يكون نافعا بغناه إلا إذا كان جوادا به منعما على غيره فإنه يحمده المنعم عليه ، فذكر الغنى ليدل به على كونه غير مفتقر إليها ، وذكر « الحميد » لما كان جوادا بها على خلقه ، فلا جرم استحق الحمد من جهتهم ، وأما الآية الثالثة فإنما فصلها « برءوف رحيم » لأنه لما عدّد جلائل نعمه وكانت كلها مسخّرة مدبّرة وكانوا لولا رحمته متعرضين بصددها لمتالف عظيمة من الأهوال البحرية والآفات السماوية ، فلما كانت في أنفسها متعرضة لهذه الأمور عقبها بذكر الرأفة والرحمة لينبه على كمال لطفه وعظيم رحمته بالخلق ، وهكذا القول في سائر الفواصل القرآنية ، فإنك لا تزال تطلع منها على فوائد مناسبة لتلك الفاصلة كما أشرنا إليه .