يحيي بن حمزة العلوي اليمني

197

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الصنف الثالث التطبيق [ ويقال له التضاد ، والتكافؤ ، والطباق والمقابلة ] ويقال له التضاد ، والتكافؤ ، والطباق ، وهو أن يؤتى بالشئ وبضده في الكلام كقوله تعالى : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً [ التوبة : 82 ] واعلم أن هذا النوع من علم البديع متفق على صحة معناه وعلى تسميته بالتضاد والتكافؤ ، وإنما وقع الخلاف في تسميته بالطباق والمطابقة والتطبيق ، فأكثر علماء البيان على تلقيبه بما ذكرناه ، إلا قدامة الكاتب ، فإنه قال لقب المطابقة يليق بالتجنيس ، لأنها مأخوذة من مطابقة الفرس والبعير لوضع رجله مكان يده عند السير ، وليس هذا منه ، وزعموا أنه يسمى طباقا من غير اشتقاق ، والأجود تلقيبه بالمقابلة ، لأن الضدين يتقابلان ، كالسواد والبياض ، والحركة والسكون ، وغير ذلك من الأضداد من غير حاجة إلى تلقيبه بالطباق والمطابقة ، لأنهما يشعران بالتماثل بدليل قوله تعالى : سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ( 15 ) [ نوح : 15 ] أي متساويات ، ومنه طابقت النعل ، أي جعلته طاقات مترادفات ، فإذن الأخلق تلقيب هذا النوع بما ذكرناه من المقابلة ، ولا يلقب بالطباق كما قاله جوّاب البلاغة ونقّادها البصير والمهيمن على معانيها وخريتها الخبير قدامة ابن جعفر الكاتب فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر كيفية التقابل في الكلام ، لأن الشئ ربما قوبل بضده لفظا ، وربما قوبل بضده من جهة المعنى ، وتارة يقابل بمخالفه ، ومرة يقابل بما يماثله ، فهذه ضروب أربعة لا بدّ من تقديرها وتفصيلها بمعونة الله تعالى . الضرب الأول في مقابلة الشئ بضده من جهة لفظه ومعناه ومثاله قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [ النحل : 90 ] فانظر إلى هذا التقابل العجيب في هذه الآية ما أحسن تأليفه وأعجب تصريفه ، فلقد جمع فيه بين مقابلات ثلاث ، الأولى منها مأمور بها والثلاث التوابع منهى عنها ، ثم هي فيما بينها متقابلة أيضا ، ومن ذلك قوله تعالى : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً فهذا وما شاكله فيه مقابلتان ، الضحك بالبكاء ، والقليل بالكثير ، ومن ذلك قوله تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [ الحديد : 23 ] فقابل الفرح بالحزن إلى غير ذلك من الآيات الدالة على الأضداد ، ومنه قوله تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [ النساء : 36 ] فقابل الأمر