يحيي بن حمزة العلوي اليمني
198
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
بالنهى وهما ضدان ، وقوله تعالى في قصة لقمان وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ [ لقمان : 19 ] وقال : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً [ لقمان : 18 ] فنهاه عن المصاعرة ، والمشي في الأرض مرحا ، وأمره بالقصد في المشي والغض من الصوت ، إلى أمثال له في القرآن كثيرة ، ومن السنة النبوية قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : خير المال عين ساهرة لعين نائمة ، فجمع فيه بين السهر والنوم وهما ضدان ، وأراد بالحديث أن أفضل الأموال هو هذه الأنهار الجارية فإنها تجرى ليلا ونهارا وصاحبها نائم ، لا يشعر بحالها ، ومن ذلك ما روته عائشة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال لها : عليك بالرفق يا عائشة ، فإنه ما كان في شيء إلا زانه ، ولا نزع من شيء إلا شانه ، فجمع بين الزين والشين وهما ضدان ، ومن ذلك ما ورد في كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه قال في بعض خطبه : الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالا ، فيكون أولا قبل أن يكون آخرا ، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا ، كل مسمى بالوحدة غيره قليل ، وكل عزيز غيره ذليل ، وكل قوىّ غيره ضعيف ، وكل مالك غيره مملوك ، وكل قادر غيره يقدر ويعجز ، وكل سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات ، ويصمه كثيرها ، وكل بصير غيره يعمى عن خفىّ الألوان ولطيف الأجسام ، وكل ظاهر غيره غير باطن وكل باطن غيره غير ظاهر ، فهذه مقابلات ثمانية قد جمع بينها في صدر هذه الخطبة مع ما فيه من السلاسة وجودة السبك ، ومن ذلك ما قاله خطابا لعثمان : إن الحق ثقيل ، مريء ، والباطل خفيف وبيء ، وأنت رجل إن صدقتك سخطت وإن كذبتك رضيت ، فقابل الحق بالباطل ، والثقيل المريء بالخفيف الوبيء ، والصدق بالكذب ، والسخط بالرضا ، فهذه خمس مقابلات قد اشتمل هذا الكلام القصير الذي أناف على كل غاية في بلاغته ، ورقة لفظه وسلاسته ، وله عليه السلام من الطباق والجمع بين الأمور المتضادة خاصة في علوم التوحيد وأحوال القيامة شيء كثير ، وقال الحجاج بن يوسف حين أراد قتل سعيد بن جبير : فلما أحضر إليه أمر من كبه ، ثم قال من أنت فقال أنا سعيد بن جبير فقال له : بل أنت شقى بن كسير . فقابل سعيد بشقى وجبير بكسير ، وكان الخبيث من المعدودين في الفصاحة ، والمشار إليهم في البلاغة ، ومن كلام البلغاء قولهم : من أقعدته نكاية اللئام ، أقامته إعانة الكرام ، ومن ألبسه الليل لون ظلمائه ، نزعه النهار عنه بضيائه ، ومن الحريريات قوله لا رفع نعشك ، ولا وضع عرشك ، وقوله : ومن حكم