يحيي بن حمزة العلوي اليمني
194
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الصنف الثاني [ الترصيع ] وهو في لسان علماء البيان مقول على ما كان من المنظوم والمنثور من الكلام ، ألفاظ الفصل الأول فيه مساوية لألفاظ الفصل الثاني في الأوزان واتفاق الأعجاز ، واشتقاقه من قولهم تاج مرصّع ، إذا كان فيه حلية ، والترصيع التركيب ، ويرد في الكلام على وجهين ، الوجه الأول منهما أن يكون [ كاملا ] ، وهو أن تكون كل لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الفصل الثاني في الأوزان والقوافي من غير مخالفة لأحدهما للثاني في زيادة ولا نقصان ، وما هذا حاله فإنه يعز وجوده ، وقليلا ما يقع في كلام البلغاء لصعوبة مأخذه ، وضيق مسلكه ولم يوجد في القرآن شيء منه ، وما ذاك إلا لأنه جاء بالأخف والأسهل ، دون التعمق النادر ، مع أنه قد أخرس الجن والإنس ، وأيس كل واحد منهم أن يأتي بلفظة من ألفاظه أو بأقصر سورة من سوره ، وقد زعم بعض الناس أنه يوجد فيه شيء منه ، ومثّله بقوله تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) [ الانفطار : 13 - 14 ] وهذا جهل بمعنى الترصيع وتركيبه ، فإن الفجار لا يماثل الأبرار في وزنه ، وهكذا قوله « لفى » فإنه كررها في الفقرتين جميعا ، فما هذا حاله فإنما هو تجنيس ، وليس ترصيعا ، وإنما يكون من الترصيع لو قال : إن الأبرار لفى نعيم وإن الأشرار لمن جحيم ، فيكون الأشرار مقابلا للفظ الأبرار ، والجحيم مقابلا للنعيم ، « ومن » مقابله « لفى » في الوزن والقافية ، فهو إنما يؤثر على جهة النّدرة على الشرط الذي ذكرناه ، فمن ذلك ما وقع في الحريريات من قوله : يطبع الأشجاع بجواهر لفظه ، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه ، فجميع ما وقع في السجعة الثانية مطابق لما وقع في السجعة الأولى في الوزن والتقفية من غير زيادة ولا نقصان « فيقرع » بإزاء « يطبع » والأسماع في مقابلة « الأسجاع » « وزواجر » بإزاء « جواهر » و « وعظه » في مقابلة « لفظه » . ومن ذلك ما قاله الشيخ عبد الرحيم بن نباتة الخطيب : الحمد لله عاقد أزمة الأمور بعزائم أمره ، وحاصد أئمة الغرور