يحيي بن حمزة العلوي اليمني
195
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
بقواصم مكره ، ثم قال في أثناء هذه الخطبة أولئك الذين رحلوا فأقمتم ، وأفلوا فنجمتم ، فما هذا حاله ترصيع بالمعنى الذي ذكرته من غير مخالفة ، ومن ذلك ما حكى عن ابن الأثير في كلام له قال فيه : والحسن ما وشته فطرة التصوير ، لا ما حسّنته فكرة التزوير ، ومن كلامه قوله من قوّم أود أولاده ، ضرّم كمد حسّاده ، وفي كلام ابن الأثير هاهنا نظر ، لأن الأولاد ليس مماثلا للحساد ، ومن ذلك ما قاله بعض العرب : من أطاع غضبه ، أضاع أدبه ومن المنظوم ما قاله بعض الشعراء « 1 » : فمكارم أوليتها متبرعا * وجرائم ، ألغيتها متورّعا فقوله مكارم ، بإزاء جرائم ، وأوليتها في مقابل ألغيتها ، ومتبرعا في مقابلة متورعا ، فما هذا حاله لا يقع فيه نزاع بين أهل البلاغة في كونه معدودا من باب الترصيع ، لاجتماع الفقرتين في الوزن والقافية . الوجه الثاني ويقال له [ الناقص ] ، وهو أن يختلف الوزن وتستوى الأعجاز ، ومثاله قوله تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) [ الانفطار : 13 - 14 ] فاختلاف الوزنين في الأبرار ، والفجار ، لا يخرجه عن كونه ترصيعا ، وهكذا ما حكى عن ابن نباتة من قوله : وموفّق عبيده لمغانم ذكره ، ومحقّق مواعيده بلوازم شكره ، وقوله : أيها الناس أسيموا القلوب في رياض الحكم ، وأديموا النحيب على البياض اللّمم ، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم ، وأجيلوا الأفكار في انقراض الأمم ، فما هذا حاله لم تتفق فيه الأوزان ولكن استوت فيه الأعجاز ، وكقول الخنساء في أخيها صخر « 2 » : حامى الحقيقة محمود الطريقة * مهدىّ الخليقة نفّاع ، وضرّار جوّاب قاصية جزّاز ناصية * عقّاد ألوية للخيل جرّار
--> ( 1 ) انظر البيت في الإيضاح ص 343 بتحقيقنا ، ومكارم : جمع مكرمة ، وهي ما تسديه من معروف ، أوليتها : صنعتها إلى أوليائك ، متبرعا : متفضلا بغير موجب ولا انتظار عوض . ألغيتها : أبطلتها وعفوت عنها ، متورعا : متعفّفا من غير جبن أو خوف ، وإرادة التكثير في البيت مستفادة من واو « ربّ » في الشطرين كما في إحدى الروايات . ( 2 ) انظر البيتين في المصباح ص 172 ، والبيت الأول في الإيضاح ص 342 بتحقيقنا ، ورواية المصباح : حامى الحقيقة محمود الخليفة مي * مون الطريقة نفاع وضرار جواز قاصية جزاز ناصية * عقاد ألوية ، للخيل جرار