يحيي بن حمزة العلوي اليمني
185
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الصنف الأول التجنيس وهو تفعيل من التجانس وهو التماثل ، وإنما سمى هذا النوع جناسا لأن التجنيس الكامل أن تكون اللفظة تصلح لمعنيين مختلفين فالمعنى الذي تدل عليه هذه اللفظة هي بعينها تدل على المعنى الآخر من غير مخالفة بينهما ، فلما كانت اللفظة الواحدة صالحة لهما جميعا كان جناسا ، وهو من ألطف مجارى الكلام ومن محاسن مداخله ، وهو من الكلام كالغرة في وجه الفرس ، فالجنس في اللغة هو الضرب من الشئ وهو أعم من النوع ، والمجانسة المماثلة ، وسمى هذا النوع جناسا لما فيه من المماثلة اللفظية ، وزعم ابن دريد أن الأصمعي يدفع قول العامة هذا مجانس لهذا ويقول إنه مولد ، وحقيقته في مصطلح علماء البيان هو أن يتفق اللفظتان في وجه من الوجوه ويختلف معناهما ، فما هذا حاله عام في التجنيس التام ، والتجنيس الناقص ، ثم إنه ينقسم قسمين نورد ما يتعلق بكل واحد منهما بأمثلته بمعونة الله تعالى . القسم الأول [ التجنيس التام ] ويقال له المستوفى ، والكامل ، وهو أن تتفق الكلمتان في لفظهما ، ووزنهما ، وحركتهما ، ولا يختلفان إلا من جهة المعنى ، وأكثر ما يقع في الألفاظ المشتركة ، ومثاله من كتاب الله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ [ الروم : 55 ] وليس في القرآن من التجنيس الكامل إلا هذه الآية ، فالساعة الأولى عبارة عن القيامة ، والساعة الثانية هي واحدة الساعات ، لكنهما اتفقا لفظا فلهذا كان جناسا تاما ، ومن السنة النبوية قوله صلى اللّه عليه وآله لما نازع الصحابة جرير بن عبد الله في أحد زمام ناقة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أيهم يقبضه ، فقال عليه السلام : خلوا بين جرير ، والجرير لا يقال كيف يكون ما ذكرتموه من الكتاب والسنة مثالا للتجنيس التام مع اختلافهما في التعريف والتنكير ، لأنا نقول هذا فيه وجهان ، أحدهما أن يقال إنه لم يقع الاختلاف إلا في لام للتعريف وهي زائدة ، وما هذا حاله فليس مغيّرا للتمثيل ، وثانيهما أن يقال كما أن اختلاف الحركة يبطل جعله من التجنيس التام فهكذا زيادة الحرف تخرجه عن التجنيس