يحيي بن حمزة العلوي اليمني

177

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

ليكون حاصلا على الكمال ومراعاة المطابقة في كل الأحوال . التخلص الثامن هو أنه لما فرغ مما ذكره عاد إلى سؤال المشركين ثانيا عند معاينة الأهوال في يوم الجزاء بقوله : وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 92 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ( 93 ) [ الشعراء : 92 - 93 ] وإنما أورده على جهة التوبيخ والاستهزاء وأنهم لا ينصرونكم في دفع السوء عنكم ، ولا ينتصرون في دفع ما يخصهم أنفسهم بحال ، ثم وصف حالهم في النار بقوله « فكبكبوا » أي الآلهة والغاوون ، والكبكبة تكرير الكب ، لأنه إذا ألقى في النار فإنه يكب فيها مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها ، فجعل تكرير اللفظ دلالة على تكرير المعنى على جهة المطابقة ، اللهم أجرنا من عذابك برحمتك الواسعة . التخلص التاسع هو أنه لما فرغ من ذلك خرج إلى حكاية ما يقول أهل النار في النار من الخصومة الناشئة بينهم ، وإظهار الحسرة والندامة المفرطة على ما كان منهم من عبادة غير الله ومساواته بمن لا يساويه ، وانقطاع ما في أيديهم من شفاعة شافع أو صداقة صديق كما يكون للمؤمنين ، فإن شفعاءهم الملائكة والأنبياء ، وأصدقاؤهم هم أهل الإيمان والتقوى ، فأما الكفار فلا شيء لهم من ذلك ، فعند هذا تعظم الحسرات وتنقطع الأفئدة حسرة وإياسا عن النفع والخلاص عما هم فيه . التخلص العاشر هو أنه لما فرغ من ذلك خرج إلى ذكر تمنيهم الرجعة إلى الدنيا بقوله « فلو أنّ لنا كرّة » فننزع عما كنا عليه من عبادة غير الله وسلوك طريق التقوى ، والكون من جملة المؤمنين في ذلك ، و « لو » هاهنا بمعنى ليت فلا تفتقر إلى جواب مقدر وجوابها فتكون ، أو تكون باقية على بابها ، وجوابها يحذف كثيرا وتقديره فلو رجعنا لفعلنا كيت وكيت من الأفعال الصالحة ، فانظر إلى هذه الآية الشريفة كيف اشتملت على هذه التخلصات اللطيفة مع ما حازته من العجائب الحسان والأسرار ذوات الأفنان . والعجب من الغانمى حيث أنكر التخلص أن يكون واقعا في كتاب الله تعالى ، وما ذاك إلا من أجل اشتغاله بفن الشعر والكتابة عن الاطلاع إلى أسرار كتاب الله تعالى ، وهو أظهر من أن يحتاج إلى طلب وعناية