يحيي بن حمزة العلوي اليمني

178

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

خاصة في سورة الأعراف وسورة يوسف ، فإنه سلك فيهما فنونا كثيرة ، وتخلص إلى أودية مختلفة ، والقرآن كله مملوء منه ، لأنه لا يزال تكرير الكلام من وعد إلى وعيد ، ومن ذكر قصص إلى ذكر أمثال ، ومن ذكر أمر إلى نواه ، ومن ترغيب إلى ترهيب ، إلى غير ذلك فكيف يمكن إنكار ما هذا حاله وهو أوسع ما يكون في التنزيل . المثال الثاني من السنة النبوية وهذا كقوله عليه السلام : وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود ثم قال بعد ذلك فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع وشاهد مصدق فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، هو أوضح دليل إلى خير سبيل . فانظر إلى ما أودعه في هذا الكلام من التخلص الرائق ، فبينا هو يذكر حال الليل والنهار وحكمهما في المكونات إذ خرج إلى حال القرآن ووصفه ، وأنه فيه الإيضاح لكل مشكل ، وبيان لكل أمر ملتبس ، تخلص إلى ذكره بأحسن تخلص ، وهكذا قوله عليه السلام : كأن الموت فيها على غيرنا كتب ، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب ، إلى أن قال طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس . فبينا هو يذكر الموت وأهواله وإعراض الخلق عن ذكره إذ خرج إلى ذكر الندب إلى اشتغال الإنسان بعيب نفسه و 7 همال عيوب الخلق ، فهذا من المخالص البديعة إلى غير ذلك في كلامه عليه السلام . المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه وهو في كلامه أكثر من أن يحصر ، وخاصة في العهود الطويلة والكتب المنتشرة ، والكلمات الواسعة ، فإنه يخرج فيها إلى أودية كثيرة ، فبينا يتكلم في أسلوب الوعظ ، إذ خرج إلى وصف الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو إلى وصف القرآن أو إلى غير ذلك من الأساليب المختلفة فيما يكون معدودا من محاسن التخلصات ، ومن أراد الوقوف من كلامه على محاسن التخليص فليطالع من ذلك ما أوصى به الحسن بن علي في وصية له ، فإنه جمع له من محاسن الآداب وأجمعها ، وأعظم الحكم وأنفعها ، ما لا يحتمله حصر ، ولا يشتمله عد ،