يحيي بن حمزة العلوي اليمني
159
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
يستحقه من غير إفراط في الجانبين ، ولا تفريط في حقهما . ومن ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم البخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، قريب من النار ، والسخى قريب من الله قريب من الناس ، بعيد من النار ، وقال عليه السلام : إن مع العز ذلا ، وإن مع الحياة موتا ، وإن مع الدنيا آخرة ، وإن لكل شيء حسيبا ، وإن على كل شيء رقيبا ، وإن لكل أحد كتابا ولكل حسنة ثوابا ، ولكل سيئة عقابا ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : اغتنم خمسا قبل خمس ، شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وحياتك قبل موتك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : إنه من خاف البيات أدلج ، ومن أدلج في المسير وصل ، وإنما تعرفون عواقب أعمالكم لو قد طويت صحائف آجالكم ، أيها الناس . إن نية المؤمن خير من عمله ونية الفاسق شر من عمله ، فليتأمل المتأمل في كلامه عليه السلام من الاقتصاد في الوعظ ، وفي وصف المحبة والبغض ، وغير ذلك من كلامه فإنه لا مرية في كونه سالكا فيها طريقة القصد ، وناهجا منهج العدل لا يغلو فيفرط ولا يحيف فيفرط . المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، وهو جار فيما هو فيه على قانون النصفة ، وسالك لطريق الحق والمعدلة ، من ذلك ما قاله في صفة المؤمنين وأهل التقوى : وإن للذكر لأهلا أخذوه من الدنيا بدلا ، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه ، يقطعون به أيام الحياة ، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه ، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة ، وهم فيها ، فشاهدوا ما وراء ذلك فكأنما اطلعوا على غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه ، وحققت القيامة عليهم عذابها فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا ، حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ، ويسمعون ما لا يسمعون ، فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة ومجالسهم المشهودة ، وقد نشروا دواوين أعمالهم ، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم : على كل صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصروا عنها ، أو نهوا عنها ففرطوا فيها ، وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم ، فضعفوا عن الاستقلال بها ، فنشجوا نشيجا وتجاوبوا نحيبا يعجون إلى ربهم من مقاوم ندم واعتراف ، لرأيت أعلام هدى ومصابيح دجى ، قد حفت بهم الملائكة ، وتنزلت عليهم السكينة ، وفتحت لهم أبواب السماء ، وأعدت لهم مقاعد الكرامات ، في مقعد اطلع الله عليهم فيه فرضى سعيهم ، وحمد مقامهم ، رهائن فاقة إلى فضله ، وأسارى ذلة لعظمته ، جرح طول