يحيي بن حمزة العلوي اليمني
160
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الأسى قلوبهم ، وطول البكاء عيونهم ، لكل باب رغبة إلى الله يد قارعة ، يسألون من لا تضيق لديه المنادح ، ولا يخيب عليه الراغبون . ومن كلام له عليه السلام يصف فيه أهل النفاق قال فيه : أوصيكم عباد الله بتقوى الله ، وأحذركم أهل النفاق ، فإنهم الضالون المضلون ، والزالون المزلون ، يتلونون ألوانا ، ويفتنون افتنانا ، ويعمدونكم بكل عماد ، ويرصدونكم بكل مرصاد ، قلوبهم دوية ، وصفاتهم نقية ، يمشون الحفا ، ويدنون الضرا ، وصفهم دواء وقلوبهم شفاء ، وفعلهم الداء العياء ، حسدة الرخاء ، ومؤكدو البلاء ، ومقنطو الرجاء ، لهم بكل طريق صريع ، وإلى كل قلب شفيع ، ولكل شجو دموع ، يتقارضون الثناء ، ويتراقبون الجزاء ، إن سألوا ألحفوا ، وإن عذبوا كشفوا ، وإن حكموا أسرفوا ، قد أعدوا لكل حق باطلا ، ولكل قائم مائلا ، ولكل حي قاتلا ، ولكل باب مفتاحا ، ولكل ليل صباحا ، فهم لمة الشيطان ، وحمة النيران ، أولئك حزب الشيطان ، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون . فانظر إلى كلامه في الفريقين كيف أبرز من كل واحد منهما حقيقة حاله وميز أحدهما عن الآخر ومثله بأعجب مثاله ، قد طابق بكلامه المراد ، من غير نقصان فيه ولا ازدياد ، وأقول لقد ضربت عليه البلاغة سرادقها ، وأحاط من الفصاحة بمكنونها وأسرار حقائقها . المثال الرابع ما كان من كلام البلغاء في ذلك وهذا كقول الفرزدق يمدح زين العابدين علي بن الحسين : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقى النقى الطاهر العلم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم « 1 » ومن هذا قول البحتري : ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما * في وسعه لسعى إليك المنبر فهذا مدح مقتصد ليس فيه إسراف ولا تقتير ولا ركب صاحبه إفراطا ولا تفريطا ، ومن هذا قول بعضهم يهجو غيره :
--> ( 1 ) الأبيات للفرزدق في ديوانه المجلد الثاني ص 178 ، 180 .