يحيي بن حمزة العلوي اليمني

137

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

النكتة السابعة في الإشارة إلى كيفية خلق آدم قال فيه : ثم جمع من حزن الأرض وسهلها ، وعذبها وسبخها ، تربة سنّها بالماء حتى خلصت ، ولاطها بالبلة حتى لزبت ، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول ، وأعضاء وفصول ، أجمدها حتى استمسكت ، وأصلدها حتى صلصلت ، لوقت معدود ، وأمد معلوم ، ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ، وفكر يتصرف بها وجوارح يستخدمها ، وأدوات يقلبها ، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل ، والأذواق ، والمشام ، والألوان ، والأجناس ، معجونا بطينة الأكوان المختلفة ، والأشباه المؤتلفة ، والأضداد المتعادية ، والأخلاط المتباينة ، من الحر والبرد ، والبلة والجمود ، والمساءة والسرور ، واستأدى الله سبحانه الملائكة وديعته لديهم ، وعهد وصيته إليهم في الإذعان بالسجود له ، والخشوع لتكرمته ، فقال سبحانه اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [ البقرة : 34 ] ثم أسكنه دارا أرغد فيها عيشه ، وأقر فيها محلته ، فهذا كلام من أخذ البلاغة بزمامها وكان هو المدعو بصاحبها وإمامها ، لا يقصر عن بلوغ شأوها ولا يصعب عليه نخوة بأوها . النكتة الثامنة في ذكر إبليس وإغوائه لآدم قال : ثم 7 ن إبليس اعترته الحمية ، وغلبت عليه الشقوة وتعزز بخلقة النار ، واستوهن خلق الصلصال ، فأعطاه الله النّظرة استحقاقا للسخطة ، واستتماما للبلية ، وإنجازا للعدة فقال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 80 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 81 ) [ سورة ص : 80 - 81 ] فلما أسكنه جنته ، وحذره إبليس وعداوته ، فاغتره إبليس نفاسة عليه بدار المقام ، ومرافقة الأبرار ، فباع اليقين بشكه ، والعزيمة بوهنه ، واستبدل بالجذل وجلا ، وبالاغترار ندما ، ثم بسط الله سبحانه له في توبته ، ولقاه كلمة رحمته ووعده المرد إلى جنته ، وأهبطه إلى دار البلية وتناسل الذرية . النكتة التاسعة يذكر فيها بعثة الأنبياء قال : ثم إنه تعالى اصطفى من ذريته يعنى آدم أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم ، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم ، لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم ، فجهلوا حقه ، واتخذوا الأنداد معه واجتالهم الشياطين عن معرفته ، واقتطعتهم عن عبادته ، فبعث