يحيي بن حمزة العلوي اليمني

138

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

فيهم رسله ، وواتر إليهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكروهم منسى نعمته ، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول ، ويروهم آيات المقدرة ، من سقف فوقهم مرفوع ، ومهاد تحتهم موضوع ، ومعايش تحييهم ، وآجال تفنيهم ، وأوصاب تهرمهم ، وأحداث تتابع عليهم ، ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبي مرسل ، أو كتاب منزل ، أو حجة لازمة ، أو محجة قائمة ، رسل لا تقصر بهم قلة عددهم ، ولا كثرة المكذبين لهم من سابق سمى له من بعده ، أو غابر عرفه من قبله ، على ذلك نسلت القرون ، ومضت الدهور ، وسلفت الآباء ، وخلقت الأنباء ، فهذه نكتة عجيبة ضمنها ما كان من بعثة الأنبياء وتبليغهم للشرائع وصبرهم على أداء ما حملوه النكتة العاشرة يذكر فيها بعث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، واصطفاء الله له قال ثم إن الله بعث محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لإنجاز عدته ، وإتمام نبوته ، مأخوذا على النبيين ميثاقه ، مشهورة سماته ، كريما ميلاده ، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة ، وأهواء منتشرة ، وطوائف متشتتة ، بين مشبه لله بخلقه ، أو ملحد في اسمه ، أو مشير إلى غيره ، فهداهم به من الضلالة ، وأنقذهم بمكانه من الجهالة ، ثم اختار سبحانه لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لقاءه ، ورضى له ما عنده ، وأكرمه عن دار الدنيا ، ورغب به عن مقام البلوى ، فقبضه إليه كريما ، صلى الله عليه وعلى آله ، ثم خلف فيكم ما خلفت الأنبياء في أممها ، كتاب ربكم مبينا حلاله ، وحرامه ، وفضائله وفرائضه وناسخه ، ومنسوخه ورخصه وعزائمه ، فهذه النكت قد جمعناها من كلامه هاهنا مثالا للإطناب ليتفطن الناظر أنه لا وادى من أودية البلاغة إلا وقد سلكه ، ولا زمام من أزمة الفصاحة إلا وقد استولى عليه بفكره وملكه فصار أوفر البلغاء في البلاغة نصيبا وسهما ، وأكثرهم بها في الإحاطة علما وفهما ، وحق لكلامه عند ذاك أن يقال فيه إنه كنيف مليء علما . النوع الرابع فيما ورد من كلام البلغاء في الإطناب ، فمن ذلك ما قاله ابن الأثير في وصف بستان : هو جنة ذات ثمار مختلفة الغرابة ، وتربة منجبة وما كل تربة توصف بالنجابة ، ففيها المشمش الذي يسبق غيره بقدومه ، ويقذف أيدي الجانين بنجومه ، فهو يسمو بطيب الفرع والنجار ، ولو نظم في جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار ، وله زمن الربيع الذي هو