يحيي بن حمزة العلوي اليمني
136
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ومختبى البعوض بين سوق الأشجار وألحيتها ، ومغرز الأوراق من الأفنان ، ومحط الأمشاج من مسارب الأصلاب ، وناشئة الغيوم ومتلاحمها ، ودرور قطر السحاب ومتراكمها ، وما تسفى الأعاصير بذيولها ، وتعفو الأمطار بسيولها ، وعوم نبات الأرض في كثبان الرمال ومستقر ذوات الأجنحة . بذرا شناخيب الجبال ، وتغريد ذوات المنطق في دياجير الأوكار ، وما أودعته الأصداف وحضنت عليه أمواج البحار ، وما غشيته سدفة ليل ، وذر عليه شارق من نهار ، وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير وسبحات الأنوار ، وأثر كل خطوة وحس كل حركة ، ورجع كل كلمة ، وتحريك كل شفة ، ومستقر كل نسمة ، ومثقال كل ذرة ، وهماهم كل نفس همامة ، وما عليه من ثمرة شجرة أو ساقط ورقة ، أو قرار نطفة ، أو نقاعة دم ، أو مضغة ، أو ناشئة خلق وسلالة ، فلينظر الناظر ما تضمنه كلامه هاهنا من الإشارة إلى كيفية الإحاطة له تعالى بالمعلومات بألطف عبارة وأرشقها ، وهذا من أعجب أماكن الإطناب وأرفع مراتبه . النكتة السادسة في تنزيه الله تعالى عن مشابهة الممكنات واستحالة الأعضاء عليه ، قال فأشهد أنّ من شبهك بتباين أعضاء خلقك وتلاحم حقائق مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك ، فكأنه لم يسمع تبرؤ التابعين من المتبوعين إذ يقولون : تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 98 ) [ الشعراء : 97 - 98 ] كذب العادلون بك إذ شبهوك بأصنامهم ، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم ، وجزئوك تجزئة المجسمات بخواطرهم ، وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم ، فأشهد أن من ساواك بشئ من خلقك فقد عدل بك ، والعادل بك كافر بما تنزلت به محكم آياتك ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك ، وأنك أنت الله لم تتناه في العقول فتكون في مهب فكرها مكيفا ، ولا في روايات خواطرها محدودا مصرفا ، فظاهر كلامه دال على إكفار المشبهة ، وقد رمزنا في شرحنا لكلامه هذا إلى تفاصيل القول في التشبيه وذكرنا من يكفر ومن لا يكفر من المشبهة ما خلا القول في إكفار من يكفر من أهل القبلة ، وحقيقة الإكفار بالتأويل ، فقد أودعناه كتابنا الذي أمليناه في الإكفار وذكرنا فيه ما يكفى ويشفى والحمد لله .