يحيي بن حمزة العلوي اليمني

88

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المعاني حيث عولوا في أودية البلاغة ، وأحكام الفصاحة ، بعد كلام الله تعالى وكلام رسوله ، على دواوين العرب ، وكلماتهم في خطبهم ، وأمثالهم ، وأعرضوا عن كلامه ، مع علمهم بأنه الغاية التي لا رتبة فوقها ، ومنتهى كل مطلب ، وغاية كل مقصد في جميع ما يطلبونه من الاستعارة ، والتمثيل والكناية ، وغير ذلك من المجازات الرشيقة ، والمعاني الدقيقة اللطيفة ، ولقد أثر عن فارس البلاغة وأميرها أبى عثمان الجاحظ أنه قال : ما قرع مسامعى كلام بعد كلام الله ، وكلام رسوله إلا عارضته إلا كلمات لأمير المؤمنين كرم الله وجهه فما قدرت على معارضتها ، وهي قوله عليه السلام « ما هلك أمرؤ عرف قدره ، وقوله : من عرف نفسه عرف ربه ، وقوله : المرء عدو ما جهل ، ومثل قوله : استغن عمن شئت ، تكن نظيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره . فانظر إلى إنصاف الجاحظ فيما قاله ، وما ذاك إلا أنه خرق قرطاس سمعه ببلاغته ، وحير فهمه لما اشتمل عليه من إعجازه وفصاحته ، فإذا كان هذا حال الجاحظ وله في البلاغة اليد البيضاء فكيف حال غيره . المثال الثاني في الحكم والآداب وله عليه السلام في الكلمات القصيرة في الحكم النافعة ، وآداب النفوس ، ما لم يبلغ أحد شأوه ، ولا تحوم حوله كقوله : « قيمة كل امرئ ما يحسن » فهذه اللفظة لا يوازيها حكمة ، ولا تقوم لها حكمة ، وقوله : « المرء مخبوء تحت لسانه » وقوله : « السعيد من وعظ بغيره ، والمغبوط من سلم له دينه » وقوله : « من أرخى عنان أمله ، عثر بأجله » وقوله : « من فكر في العواقب لم يشجع » وقوله : « مصارع العقول تحت بروق الأطماع » وقوله : « بالبر يستعبد الحر » وقال عليه السلام : « الطمع رق مؤبد » وقوله : « التفريط ثمرته الندامة ، وثمرة الحزم السلامة » وقوله : « آلة الرئاسة سعة الصدر » وقوله : « من استقبل وجوه الآراء ، عرف وجوه الخطاء » وقوله : « من أحدّ سنان الغضب لله ، قوى على قتل أسد الباطل » وقال : « إذا هبت أمرا فقع فيه ، فإن وقوعك فيه أهون من توقيه » وقال : « كم من عقل استتر تحت هوى أمير » وقال « كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع » وقال : « أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل » وقال : « من كان الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه » وقال : « بالإفضال تعظم الأقدار ، وباحتمال المؤن يجب السؤدد ، إلى غير ذلك من قصير الكلام الذي قصر في ألفاظه ، وطال في معناه ، وأوجز في عباراته وكثر مغزاه .