يحيي بن حمزة العلوي اليمني

89

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المثال الثالث في كتبه إلى أمرائه وعماله وجباة الخراج يأمرهم فيها بأوامر الله تعالى ، ويؤدبهم فيها بالآداب الشرعية ، والزواجر الوعظية ، ويشير إلى محاسن الشيم ، وبما فيه قوام لأمر السياسة وأحكام الإيالة ، فمنها كتابه إلى كميل بن زياد ، وهو عامله على هيت . أما بعد فإن تضييع المرء ما ولى ، وتكلفه ما كفى ، لعجز حاضر ، ورأى متبر ، وإن تعاطيك الغارة على أهل قرقيسياء وتعطيلك مسالحك التي وليناك ليس لها من يمنعها ، ولا يرد الجيش عنها ، لرأى شعاع ، فقد صرت جسرا لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك غير شديد المنكب ولا مهيب الجانب ، ولا ساد ثغرة ، ولا كاسر لعدو شوكة ، ولا مغن عن أهل مصره ، ولا مجز عن أميره . فانظر إلى ما تضمنه هذا الكتاب من المناجمة ، والاهتداء إلى المصالح الدينية ، وما اشتمل عليه من المراشد الدنيوية ، وإصلاح أمر الدولة ، وتعهد أحوال الإيالة والسياسة . ومنها كتابه إلى الأسود بن قطبة ، صاحب حلوان : أما بعد فإن الوالي إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيرا من العدل ، فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء ، فإنه ليس في الجور عوض من العدل ، فاجتنب ما تنكر أمثاله وابتذل نفسك فيما افترض الله عليك ، راجيا لثوابه ، ومتخوفا من عقابه ، واعلم أن الدار دار بلية لم يفرغ صاحبها قط فيها ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة ، فإنه لن يغنيك عن الحق شيء أبدا ، ومن الحق عليك حفظ نفسك ، والاحتساب على الرعية بجهدك ، فإن الذي يصل إليك من ذلك أفضل من الذي يصل بك والسلام . ومنها كتاب له أوصى فيه شريح بن هانئ لما جعله علىّ على مقدمته إلى الشام : اتق الله في كل صباح ومساء وخف على نفسك الدنيا الغرور ، ولا تأمنها على حال ، واعلم أنك إن لم تردع نفسك عن كثير مما تحب مخافة مكروه ، سمت بك الأهواء إلى كثير من الضرر ، فكن لنفسك مانعا رادعا ، ولنزوتك عند الحفيظة واقما قامعا . فهذه كتب من أحاط بمكنون البلاغة ملكه ، واستولى على أسرار الفصاحة ملكه .