يحيي بن حمزة العلوي اليمني
82
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ الحج : 5 - 7 ] . فليوقظ الناظر فهمه ، وليتأمل ما أودع في هذه الآية من المحاسن الرائقة والمعاني الفائقة مع اختصاصها بالترتيب الفائق وتنزيلها على النظام المعجب الرائق الذي يسحر الألباب رقة ولطافة . ويدهش الأفهام عذوبة وسلاسة ، فصدر الآية بالنداء ، والتنبيه ، من أجل الإيقاظ ، وجاء بصيغة الشرط على جهة الملاطفة في الخطاب ، وحقق اعتراض الريب والشك في الأفئدة ليدفعه بالبرهان الواضح الجلى وضمنها برهانين . البرهان الأول منها عجيب خلقة الإنسان وتنقلها في هذه الأطوار السبعة ، ترابا ، ثم نطفة في الرحم ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم الطفولة ، ثم الكهولة ، ثم الشيخوخة والهرم ، فقد أشار بهذا التدريج إلى عجيب القدرة ، وإلى دقيق الحكمة على اختلاف هذه الأطوار ، وتباين هذه المراتب في الخلقة ، ودلالتها ، من وجهين ، أحدهما أن كل من قدر على إحداث هذه الأمور وإبداعها من غير شيء فهو قادر لا محالة على إعادتها ، لأن الإعادة مثل الإيجاد ، ومن قدر على الشئ قدر على مثله لا محالة . وثانيهما : أن الابتداء إيجاد من غير احتذاء على مثال سابق ، والإعادة إيجاد مع سبق الاحتذاء ، فمن هو قادر على الابتداء كان أولى أن يكون قادرا على الإعادة بطريق الأحق ، ولهذا قال تعالى منبها على ذلك بقوله وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ يشير إلى ما قلناه . البرهان الثاني حال الأرض بكونها جرزا ثم بإنزال الماء عليها ، ثم بحصول هذه الأزواج النباتية المختلفة ، واهتزازها بالأزهار الغضة والأكمام المنفتحة ، بحيث لا يمكن حصرها ولا يتناهى عدها ، فهذان برهانان قد اشتملا على ما عدد الله تعالى فيهما من عجائب القدرة ، وإتقانات الحكمة ، وساقها على هذا النظام البديع ، والاختصار المعجز البليغ الذي يفحم كل ناطق ، ويروق كل سامع ، ثم إنه عز سلطانه ، لما فرغ من نظم هذه البراهين الباهرة وترتيب هذه الأدلة القاهرة ، عقبها بذكر ثمرتها ، وتقرير مدلولها ، وإنتاج فائدتها فقال ذلِكَ يشير به إلى ما سبق من تقدير الأدلة وانتظامها : بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ يعنى الموجود الثابت ، يشير به إلى أنه موجد المكونات كلها المحصل لحقائقها وصفاتها نحو خلقة الإنسان وأحوال الأرض ، وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى يشير به إما إلى إحياء النفوس بعد أن كانت ترابا ونطفا ، وعلقا ومضغا ، في هذه الأطوار وإما إلى إحياء الأرض بعد