يحيي بن حمزة العلوي اليمني
83
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
أن كانت جرزا هامدة ، يطير ترابها ، فصارت مخضرة مونقة وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الحج : 6 ] على جميع الممكنات ، فلا يشذ عن قدرته شيء من كلياتها ، ولا شيء من جزئياتها ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ الحج : 7 ] يشير به إلى أحوال البعث ، والحشر ، والنشر ، وأمور القيامة ، فقد اشتملت هذه الآية على المعاني الجمة ، والنكت الغزيرة ، ولو ذهبنا نستقصى ما تضمنته من الأسرار الإلهية والدقائق المصلحية ، لسردنا أوراقا ، ولم نحرز منه أطرافا ، ومن عجيب سياقها وحلاوة طعمها ومذاقها ، اشتمالها على المجازات المفردة ، والمركبة . فأما المجازات المركبة فهي مواضع أربعة ، ففي الأرض ثلاثة في قوله : اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ فإسناد هذه الأفعال إلى الأرض إنما كان على جهة المجاز ، والفاعل لها هو الله تعالى ، وفي وصف الساعة مجاز واحد في قوله تعالى : وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لأن الآتي بها هو الله تعالى . وأما المجازات المفردة فأكثر سياق الآية مشتمل عليه كقوله تعالى : فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ فالفاء للسببية وليست سببا في ثبوت البعث ، وإنما هو وارد على جهة المجاز ، وقوله تعالى : خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ فإنه ليس على حقيقة العموم فإن المخلوق من تراب ، إنما هو « آدم » لا غير ، وقوله : ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ليس على عمومه ، فعيسى عليه السلام وحواء ليسا مخلوقين من نطفة ، وهكذا سائر ألفاظ الآية ، فإنها غير خالية عن استعمال المجازات ، ومن أجل هذا رق مشربها ، وساغ مستعذبها . الآية الثالثة ، قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 32 ) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 33 ) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ( 34 ) [ الشورى : 34 ] . فانظر إلى هذا الأسلوب ، ما ألطف مجراه ، وما أحسن بلاغته ، وأدق مغزاه ، قدم الخبر في قوله وَمِنْ آياتِهِ ولو أخره ذهبت تلك الحلاوة ، وبطل ما فيه من الرونق . وانظر إلى طرح الموصوف في قوله الْجَوارِ ولم يقل الفلك الجواري ، وجمعه على فواعل ، ولم يجمعه على جاريات ، ولو فعل شيئا من ذلك لنقصت بلاغته ، ونزلت فصاحته ، وقال فِي الْبَحْرِ ولم يقل في العبب ، ولا في الباحة ، ولا في الطمطام ، وهي من أسماء البحر ، لما في لفظة البحر ، من الرقة واللطافة وقوله كَالْأَعْلامِ من باب تشبيه