يحيي بن حمزة العلوي اليمني
65
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الكلام ، واستولى منه على بدائعه وغرائبه ، وقد نبهنا على ذلك في شرحنا لكلامه في نهج البلاغة . فأما الجزالة فمنها قوله لأصحابه : تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل ، وأقلوا العرجة على الدنيا ، وأخرجوا منها قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ففيها اختبرتم ، ولغيرها خلقتم ، فقدموا بعضا ، يكن لكم قرضا ، ولا تخلفوا كلّا ، فيكون عليكم كلّا . فانظر إلى هذا الكلام ما أجزله وما أوضحه لبيان ما اشتمل عليه وتناوله . وأما الرقة ، فمنها قوله عليه السلام : اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالهم ، حتى يعرف الحق من جهله ، ويرعوى عن الغى والعدوان من لهج به ، وقوله عليه السلام في بعض مناجاته : اللهم صن وجهي باليسار ولا تبذل جاهى بالإقتار ، فأفتن بحب من أعطاني ، وأبلى ببغض من منعني ، وأنت من وراء ذلك كله ولى الإعطاء والمنع ، إنك على كل شيء قدير . وله عليه السلام في تعليم الحرف ، والوعظ ، وتذكير الآخرة من الفخامة والجزالة ، وفي الرقائق في تعليم معالم الدين ، وإرشاد الخلق إلى مكارم الأخلاق ، كلام بالغ ، ووعظ زاجر ، ما لا يوازيه كلام ، ولا يساوى نظمه وإن انتظم أي نظام . البحث الرابع في مراعاة المحاسن المتعلقة بمركبات الألفاظ وهذا نحو التجنيس كقوله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ [ الروم : 55 ] والترصيع ، كقول عبد الرحيم بن نباتة الواعظ في بعض خطبه : الحمد لله عاقد أزمة الأمور بعزائم أمره ، وحاصد أئمة الغرور بقواصم مكره . والتصريع : وإنما يكون في المنظوم الشعرى وغير ذلك من فنون البديع ، فإن هذه الأمور كلها سنوردها في فن المقاصد ، ونظهر أسرارها وما اشتملت عليه من المحاسن . فصار تأليف الألفاظ والكلم المفردة في إفادتهما للفصاحة بمنزلة تأليف العقد وانتظامه ، فلا بد في ذلك من مراعاة أمور ثلاثة . أولها : اختيار الكلم المفردة كما فصلناه من قبل ، كاختيار مفردات اللآلئ وانتقائها في حسن جوهرها وصورتها . وثانيها : نظم كل كلمة مع ما يشاكلها أو يماثلها كما يحسن ذلك في تركيب العقد