يحيي بن حمزة العلوي اليمني

66

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

ونظمه ، لأنها إذا حصلت مع ما يشاكلها وقعت في أحسن موقع وجاءت في أعجب صورة . وثالثها : مطابقة الغرض المقصود من الكلام على اختلاف أنواعه وتباين فنونه فلا بد من أن يكون موافقا لما أريد به بعد اختصاصه بالتركيب ، وهو غرض عظيم ، لا بدّ من رعايته ونظيره في العقد ، فإنه بعد إحكام تركيبه وإتقان تأليفه لا بدّ من مطابقته لما صيغ له فتارة يجعل إكليلا على الرأس ، ومرة يجعل طوقا في العنق ، وقد يجعل شنفا على الأذن ، وإذا خالف في ذلك بطل المقصود وفات الغرض ، فإذا جعل إكليل الرأس على غيره ، أو جعل طوق العنق في غيره بطل المقصود وفات الغرض ، والكلام بعد تركيبه إذا وضعته في غير موضوعه ولم تقصد به ما هو موضوع له انخرم المقصود به وكان خاليا عن البلاغة . فالأمر الأول والثاني من هذه الأمور الثلاثة يتعلق بالفصاحة ، لأنها من عوارض الألفاظ ، ومجموع الثلاثة كلها هو المراد بالبلاغة ، لأنها من عوارض الألفاظ والمعاني جميعا كما سنوضح التفرقة بينهما بمعونة الله تعالى فهذا ما يتعلق بخصوص الفصاحة . المطلب الثاني في ذكر ما يتعلق ب [ البلاغة ] على الخصوص اعلم أن البلاغة في وضع اللغة ، هي الوصول إلى الشئ والانتهاء إليه فيقال بلغت البلد أبلغ بلوغا ، والاسم منه البلاغة ، وسمى الكلام بليغا ، لأنه قد بلغ به جميع المحاسن كلها في ألفاظه ومعانيه ، وهو في مصطلح النظار من علماء البيان عبارة عن الوصول إلى المعاني البديعة بالألفاظ الحسنة . وإن شئت قلت هي عبارة عن حسن السبك مع جودة المعاني ، والمقصود من البلاغة هو وصول الإنسان بعبارته كنه ما في قلبه مع الاحتراز عن الإيجاز المخل بالمعاني ، وعن الإطالة المملة للخواطر . فإذا تمهدت هذه القاعدة ، فلنذكر مواقع البلاغة ثم نذكر مراتبها ثم نردفها ببيان حكمها فهذه مباحث ثلاثة . المبحث الأول في بيان موقع البلاغة اعلم أن الأشياء في التحقق والثبوت على مراتب أربع : الأولى منها : تحققها في الذهن وتصورها ، وهذه الرتبة هي الأصل وعليها تترتب