يحيي بن حمزة العلوي اليمني
5
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي أنطق لسان الإنسان ، فأفصح بعجيب البلاغة وسحر البيان . وأوضح منار البرهان . فأشرقت أنواره عن حقائق العرفان . وفتق أغشية الأفئدة بما ألهمها من أسرار العلوم وشرفها بمنطق اللسان . فهي تهتز بما أفيض عليها من عوارف الإحسان . وتميس وتختال لما خولها من فواضل الجود والكرم والامتنان صنوان وغير صنوان . خلق الإنسان من الطين اللازب الصلصال . وأجرى لسانه بالفصاحة وسقاه من نميرها العذب السلسال . فسبحان القيوم المختص بصفات الكبرياء ونعوت الجلال . المنفرد بالألوهية ، والباقي وجهه من غير فناء ولا زوال . والصلاة على من تبوأ من الفصاحة ذروتها ، واقتعد من البلاغة مكان صهوتها . حتى ظهرت من جبهته أسرار طلعتها . وتبلجت من بهجته أنوار زهرتها . ووضح نهارها . وطلعت شموسها وأقمارها . وصفت مشارعها للورّاد ، وراقت مشاربها لمن قصد وأراد . ودل على مصداق هذه المقالة قوله « أنا أفصح من نطق بالضاد » فعند ذاك أفصح أبيّها وأنقاد . وسهل مراسها على الفرسان والنقاد ، المصطفى من أطيب العناصر ، والحائز لقصب السبق من المعالي وأشرف المفاخر ، محمد الأمين على الأنباء الغيبية ، ومستودع الأسرار الحكمية والحكمية ، وعلى آله الطيبين أطواد العلم الراسخة ، ومثاقيل الحكم الراجحة ، صلاة تقيم ، ولا تريم ، إنه منعم كريم . أما بعد فإن العلوم الأدبية ، وإن عظم في الشرف شأنها ، وعلا على أوج الشمس قدرها ومكانها ، خلا أن علم البيان هو أمير جنودها ، وواسطة عقودها ، فلكها المحيط الدائر ، وقمرها السامر الزاهر ، وهو أبو عذرتها ، وإنسان مقلتها ، وشعلة مصباحها ، وياقوتة وشاحها . ولولاه لم تر لسانا يحوك الوشى من حلل الكلام . وينفث السحر مفتر الأكمام . وكيف لا وهو المطلع على أسرار الإعجاز ، والمستولى على حقائق علم المجاز . فهو من العلوم بمنزلة الإنسان من السواد ، والمهيمن عليها عند السبر والحك والانتقاد ولما