يحيي بن حمزة العلوي اليمني

42

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المرتبة الثانية في [ المجازات المركبة ] وحاصل الأمر في ذلك هو أن يستعمل كلّ واحد من الألفاظ المفردة في موضوعه الأصلي ، لكن المجاز إنما حصل في التركيب لا غير ، وهذا كقوله « 1 » : أشاب الصغير وأفنى الكبير * كرّ الغداة ومرّ العشىّ فكلّ واحد من هذه الألفاظ المفردة فيما ذكرناه مستعمل في موضوعه الأصلي ، لكن إنما جاء المجاز من جهة إسناد الإشابة والإفناء إلى كرّ الغداة ، وإلى مرّ العشى وهو غير مطابق لما عليه الحقيقة ، فإن الإشابة ، والإفناء ، إنما يحصلان بفعل الله تعالى لا بكرّ الغداة ، ولا بمرّ العشىّ ، وهكذا قوله تعالى : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ( 2 ) [ الزلزلة : 2 ] وقوله تعالى : أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ [ يونس : 24 ] فهذا وأمثاله إنما جاء المجاز فيه من جهة الإسناد والإضافة لا غير ، لا من جهة المفردات كما مثّلناه . المرتبة الثالثة في بيان المجازات الواقعة في المفردات والتركيب فهذا وأمثاله يحسن موقعه ، ويقع في البلاغة أحسن هيئة ، ويكسب الكلام رونقا وطلاوة ، ويعطيه رشاقة ويذيقه حلاوة ، ومثاله قولك لمن تراعيه : « أحياني اكتحالي بطلعتك » فإنه قد استعمل لفظ الإحياء في غير موضوعه بالأصالة ، وأسند الاكتحال إلى الإحياء ، مع أنه في الحقيقة غير منتسب إليه ، فقد حصل المجاز في الإفراد والتركيب معا كما ترى . تنبيه اعلم أن هذه المجازات المركبة التي ذكرناها ومثلناها بقوله تعالى : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ( 2 ) [ الزلزلة : 2 ] وقوله تعالى : مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ [ البقرة : 61 ] وقوله تعالى : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ [ يونس : 24 ] وغير ذلك من الأمثلة . فإنها كلها مجازات لغوية استعملت في غير موضوعاتها الأصلية ، فلأجل هذا حكمنا عليها بكونها لغوية . وبيانه هو أن صيغة « أنبت » « وأخرج » « وأخذ » وضعت في أصل اللغة بإزاء صدور

--> ( 1 ) البيت للصلتان العبدي ، أورده بدر الدين بن مالك في المصباح ص 144 بلا عزو وعبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة ص 244 .