يحيي بن حمزة العلوي اليمني
37
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
« ما أفاد معنى » عامّ في الحقيقة والمجاز ، لأن كل واحد منهما دالّ على معنى ، وقولنا « غير مصطلح عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب » يفصله عن الحقيقة ، لأنا إذا قلنا : أسد ، ونريد به الرجل الشجاع ، فإنه مجاز لأنه أفاد معنى غير مصطلح عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب ، والخطاب إنما هو خطاب أهل اللغة ، وهو غير مفيد لما وضع له أوّلا ، فإنه وضع أولا بإزاء حقيقة الحيوان المخصوص ، وقولنا لعلاقة بينهما لأنه لولا توهّم كون الرجل بمنزلة الأسد في الشجاعة ، لم يكن إطلاق اللفظ عليه مجازا ، بل كان وضعا مستقلّا ، فلهذا لم يكن بدّ من ذكر هذا القيد . خيال وتنبيه فإن قال قائل : قولكم في حدّ المجاز إنه « ما أفاد معنى غير مصطلح عليه في أصل تلك المواضعة » يؤدى إلى خروج الاستعارة عن حدّ المجاز ، وبيانه أنا إذا قلنا على جهة الاستعارة ، رأيت أسدا ، فالتعظيم والمبالغة الحاصلان من هذه اللفظة المستعارة ليس لأنا سمّيناه باسم الأسد ، ولهذا فإنه لو جعلناه علما لم يحصل التعظيم والمبالغة بذلك ، بل إنما حصلا ، لأنا قدّرنا في ذلك الشخص صيرورته في نفسه على حقيقة الأسد ، لبلوغه في الشجاعة التي هي خاصة الأسد الغاية القصوى ، ومتى قدّرنا حصوله على صفة الأسدية وحقيقتها ، أطلقنا عليه الاسم ، وبهذا التقدير يكون اسم الأسد مستعملا في نفس موضوعه الأصليّ ، ويبطل المجاز . « والجواب » أنه يكفى في حصوله المبالغة والتعظيم أن يقدّر أنه حصل له من القوة ما كان للأسد ، وعلى هذا يكون استعمال لفظ الأسد في معنى يخالف موضوعه الأصلي ، وبهذا التقرير يحسن وجه الاستعارة ، وتتضح حقيقة المجاز . وهم وتنبيه فإن قال قائل : إنّ ما جعلتموه حدّا للمجاز يوجب عليكم أن تكون اللفظة الشرعية ، كالصلاة والزكاة وما أشبهها مجازا ، وبيانه أن لفظ الصلاة ، والزكاة ، قد أفادا معنى غير مصطلح عليه ، فيلزم أن يكونا مجازين ، قد قرّرتم أنها حقائق شرعية . « والجواب » أن فيما ذكرناه في حدّ المجاز ما يدرأ هذا الاعتراض ويبطله ، ألا ترى أنا قلنا في حدّه : « ما أفاد معنى غير مصطلح عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب » ولفظ